خطابنا عن التعاون الاقتصادي العربي خطاب أجوف
يوسف عبدالله محمود
04-06-2026 06:55 PM
هذا ما يقوله عالم الاقتصاد الكبير د. حازم الببلاوي "الخطاب المستمر عن التعاون الاقتصادي العربي أجوف" وهو ينقل ذلك عن اقتصاديين عديدين من العرب. (د. حازم الببلاوي الاقتصاد العربي في عصر العولمة" ص 161)
كلام هذا الاقتصادي الكبير لم يأتِ من فراغ. اتى من قراءة موضوعية للعلاقات الاقتصادية العربية/العربية. لماذا هي دون المستوى المطلوب؟ لماذا يتحدث الكثيرون من المسؤولين العرب عن "التعاون الاقتصادي العربي" بلسان ويتصرفون بلسان آخر؟ هل هي ازمة ثقة بين من ينتمون الى قومية واحدة؟ ولماذا تكون مثل هذه "الازمة"؟
يحدثنا هذا الباحث الاقتصادي عن السبب بمنتهى الشفافية، انه "انعدام الإرادة السياسية". بمعنى آخر، السياسة تلعب دورها في ضعف هذا النوع من التعاون، وبالتالي فإنها تثبط "الإرادة" لدى صُناع القرار. صحيح ان هناك ضخّا اعلاميًا مستمرًا عن ضرورة تكثيف التعاون الاقتصادي بين الأقطار العربية، ولكن الواقع على الأرض –مع الأسف- يشير الى غير ذلك. فما زال هذا التعاون في أدنى مستوياته. نتحدث عن "الاستثمارات العربية" وفتح الأسواق العربية امام بعضها البعض. ولكن كل هذا الحديث يظل حديثً نظريًا في الغالب.
ما السبب اذن؟ لماذا –كما يقال- "نسمع جعجعة ولا نرى طحنًا"؟ السبب كما يفصح عنه عالم الاقتصاد هذا هو تخوف الأغنياء العرب من "الاعباء والتكاليف". هم –مع الأسف- لا ينظرون الى المسألة من حيث المصلحة العامة لأمتهم العربية، بل ينظرون الى مقدار المنفعة التي تصب في مصلحتهم الشخصية. المسألة –اذن- مسألة "حسابات" لا اكثر ولا اقل. ماذا استفيد انا كنظام حاكم في هذا البلد إذا تحملت عبء تكاليف هذا التعاون.
هذه النظرة القاصرة –مع الأسف- هي التي تحكم علاقاتنا الاقتصادية العربية/العربية. لا يستوعب الكثيرون منا مفهوم "التضحية والايثار" حتى يسارعوا عن رحابة صدر فيتحملوا تكاليف "التعاون الاقتصادي".
هم يبحثون عن "العائد" عليهم كأفراد او كنخب سياسية حاكمة لا على ما تحققه هذه "التكاليف" "للغلابى" العرب، وما اكثرهم على امتداد بلداننا العربية.
يحاول د. الببلاوي مجتهدًا النفاذ الى ما يدور في خلد بعض انظمتنا العربية التي تتمتع بلدانها بوفرة في الخيرات لم تُتح لغيرها من شقيقاتها. فيعزو هذا "التخوف" من تفعيل التعاون الاقتصادي العربي الى خوف بعض هذه الأنظمة ان يؤدي هذا التعاون الى "تهديد" لوجودها.
بعبارة أخرى –وكما أشار هذا المفكر- فقد يؤدي هذا التعاون الى ان تطالب الجماهير العربية لاحقًا بضرورة تحقيق "الوحدة السياسية"، وهذا ما تتخوف منه الكثير من الأنظمة العربية! انها تتخوف ان يتم تهميشها اذا ما تحققت هذه "الوحدة السياسية"، وان تكون مضطرة ان تغدو مُلزمة بحكم هذه الوحدة ان تشارك بثروتها البلدان العربية الفقيرة. وهذا ما لا تقبله!
وكما يرى هذا الباحث فقد تكرست هذه النظرة الضيقة بعد حرب 1967 التي سددت ضربة موجعة الى القيم العربية التي طالما تغنينا بها.
تراجعت هذه القيم العربية، وغدا مفهوم "التضحية" يثير التساؤلات لدى بعض العرب. لماذا يجب عليّ ان أضحى من اجل غيري؟ هذه الرؤية الضيقة باعدت ما بين الاشقاء العرب. لم يعد "الغني" مستعدًا ان يتحمل معظم التكاليف التي لن يجني منها مردودًا يوازي ما سيقدمه من تكاليف.
وفق هذا التصور يغيب مفهوم "التعاون العربي" ليحل محله مفهوم آخر يكرس "القطرية". وهذا ما نلمسه هذه الأيام. لا نلمس غيرة عربية على مقاربة أي نوع من أنواع "الوحدة العربية". تعشقها ألسنتنا وترفضها افكارنا السياسية.
محزن جداً ان يثق الكثيرون منا بالأجنبي اكثر من ثقتهم بأنفسهم. فتجد اقتصادنا العربي قد حسم امره فارتبط بالاقتصاد الأجنبي اكثر من ارتباط بعضه ببعض.
اعود فأتساءل: الم يكن د. الببلاوي صادقًا حين نقل عن اقتصاديين عرب كبار ان خطابنا حول التعاون الاقتصادي العربي/العربي هو "خطاب أجوف"! أليس الواقع العربي يدعم هذا الوصف؟ ألسنا نعيش هذه الأيام أسوأ أنواع القطعية العربية/العربية؟ وإن تظاهرنا بخلاف ذلك!
والله من وراء القصد!