ديمقراطية أمريكية إنتقائية في الشرق الأوسط
حسين بني هاني
26-02-2026 10:53 AM
يبدو أن الرئيس ترامب، يريد أن يكون حكّام وشعوب العالم الثالث ، عِبادٌ للبيت الأبيض ، لكنهم لا يمشطون على أرضهم هوناً ، وإذا طالبهم الأمريكيون بالخضوع ، سجدوا لهم وقالوا سلاما ، يصدِّقون بأن قلب الإدارة الأمريكية ، كاد ينفطر على الذين قضوا نحبهم في شوارع طهران ، وصلُّوا عليهم قِياما ، في وقت تَفْتُكُ فيه أسلحة واشنطن الخطيرة دون رحمة ، بأرواح الفلسطينيين في غزة على يد إسرائيل .
لا أحد في العالم يشكُّ في سُمُّو قيم الديمقراطية ، ولكنها وفق مصالح واشنطن ، ليست أكثر من كلام حقٍ ، يراد به باطل ، فقد رفعوا شعارها في كل حروبهم غير الشرعية في الشرق الأوسط ، واستخدمت كحجّة واهية لاحتلال بغداد ، ومع ذلك لازال ترامب يستكثر على العراقيين ، حقهم في إختيار رئيس وزرائهم ، إلا بما تسمح به واشنطن ، رغم أن غزو الاخيرة ، قُدِّم وبُرِّرَ باسم حرية العراق .
أسوق هذه المقدّمة، لكي أتخيّل ما سيكون عليه الوضع في ايران ، إذا وقعت الحرب ، فالمسألة بالنسبة لواشنطن ليست تغيير النظام فقط ، أو الحفاظ على وحدة الدولة والشعب ، وإنما الهيمنة الاقليمية والدولية فقط .
يعرف ترامب أن حرب واشنطن على طهران ، لن تكون نزهة عسكرية ، ولا مغامرة محسومة النتائج ، كما كان حالها في بغداد ، لذا تجده يحتسب عواقبها بين الفينة والأخرى ، ليس على إسرائيل وحسب ، وإنما على جملة مصالح واشنطن ، وعلى مصير حلفائها ، ناهيك عن إحتمال إمتداد الصراع دون نتيجة حاسمة . هذا وحده جعل الرئيس ترامب كثير التردد ، خاصة أنه يعلم وفق مستشاريه العسكريين ، بأن خيارات الضربة المحدودة ، لن تنهي حكم الملالي ، وقد تجرُّ الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد في المنطقة ، يستدعي نشر المزيد من القوات العسكرية ، وهو أمر لا يريده ، ويعرف أنه سوف يطيح بحزبه ، في انتخابات التجديد النصفية المقبلة ، خاصة في ظل تحذير رئيس الأركان الامريكية المشتركة من مغبة التورط في حرب ، غير مضمونة النتائج .
دهاة الحكم في ايران لا تنقصهم الفطنة ، ويدركون تماماً كل المعطيات المحيطة بأزمتهم مع واشنطن ، ومقتنعون بأن تحدي المطالب الامريكية ، يكتنفها الكثير من المخاطر ، ولكنها تستحق ينظرهم المتابعة والمراوغة ، لأن الخضوع للشروط الامريكية بالنسبة لهم ، هي أخطر من التعرّض لضربة اخرى ، هذا وحده بدأ يقضُّ مضاجع ادارة ترامب ، التي تريد حرباً دون خسائر باهضة الثمن ، ناهيك عن احتمال تأثر ممرات الملاحة في الخليج ، وارتفاع أسعار الوقود على جيوب ناخبي الرئيس ترامب ، الذين يعرفون تماما ، أن ايران ليست محمية أمريكية مثل فنزويلا ، يسهل ابتلاعها ، لذلك حافظ ترامب على تقديم رسائل متضاربة لهم ، فيما يتعلق بما يريد أن يحققه هناك ، باستثناء رسالة واحدة بقيت ثابتة لم تتغيّر ، منذ بدء الأزمة ، يحثُّه فيها نتنياهو كل يوم ، على توجيه ضربة لايران ، يعرف الرئيس تماماً خطورة عواقبها على الشعب الايراني ، الذي بات يخشاها ، أكثر مما يخشاها أركان النظام .
هذا أمرٌ لم يعد يعجب إسرائيل ، التي باتت قلقة من احتمال إنهاء ترامب المواجهة مع إيران ، باتفاق سطحي وسريع ، في وقت بات يخشى فيه الأخير ، أن تكون مغامرته في طهران ، شبيهة بتلك التي اقترفها سلفه بوش في افغانستان ، حين أعتمد فيها البيت الأبيض ، على جنوده المدججين بالسلاح ، فيما أوكل مشايخ كابول أمرهم فيها إلى الله وبأس الصابرين ، اولئك الذين يعرف ترامب ، أن لهم مثيل وشبيه آخر في طهران ، ولكن من طائفة إسلامية أخرى ، ربما هي أكثر دهاءً وعناداً ، وأشدّ بأساً وصموداً ، من أولئك الحاكمين الآن في افغانستان .