أوهام التوسع في مواجهة صلابة الأردن وحكمة الملك
المحامي الدكتور هيثم عريفج
26-02-2026 10:55 AM
في لحظات تاريخية معينة، تعود إلى السطح أطروحات تتكئ على روايات دينية أو قراءات انتقائية للتاريخ، لتُلبس مشاريع سياسية توسعية ثوب “الشرعية”. غير أن مثل هذه الطروحات، مهما تكررت، تبقى خارج سياق العصر، ومتناقضة مع الأسس التي قام عليها النظام الدولي الحديث.
ما يُطرح اليوم من تصورات جغرافية عابرة للحدود، لا يمكن قراءته إلا بوصفه تعبيراً عن ذهنية إقصائية تتجاهل حقائق السياسة والقانون وتفسيرات دينية غريبه ، وتتصادم مع مبدأ سيادة الدول واستقلالها، الذي لم يعد قابلاً للتأويل أو المساومة. فالعالم لم يعد يحتمل إعادة إنتاج صراعات قائمة على أوهام التوسع أو فرض الأمر الواقع.
في هذا السياق، يبرز الموقف الأردني بوصفه نموذجاً للدولة التي تدرك موقعها ودورها وحدود مسؤولياتها، دون أن تفرّط بثوابتها أو تنجرّ خلف ضجيج الطروحات غير الواقعية. فالأردن لم يكن يوماً ساحة لتصفية المشاريع، ولا جسراً لعبور الأطماع، بل دولة راسخة قامت على الشرعية السياسية، والتوازن، والإرادة الوطنية الحرة.
قوة الأردن لا تُقاس بحجمه الجغرافي، بل بحكمة قائده ووعيه وصلابة مؤسساته، وتماسك مجتمعه. هذه المعادلة جعلت منه دولة قادرة على الصمود في وجه التحديات، وعصية على محاولات الضغط أو الابتزاز، وثابتة في مواقفها مهما تبدلت الظروف.
كما أن الدور الأردني في الإقليم يتجاوز حدود الجغرافيا، ليعكس حضوراً سياسياً نوعياً، قائم على المصداقية والاتزان. فمنذ عقود، كان الأردن في طليعة الدول التي حملت خطاب الاعتدال، ودافعت عن منطق الدولة في مواجهة الفوضى، وواجهت التطرف والإرهاب فكرياً وأمنياً، وقدمت نموذجاً في كيفية الجمع بين الأمن والاستقرار والانفتاح السياسي.
ورغم محدودية الموارد، أثبت الأردن أنه قادر على أن يكون لاعباً محورياً، ليس من خلال القوة الصلبة، بل عبر القوة السياسية الحازمة، والدبلوماسية الفاعلة، والقدرة على بناء التوازنات. وهو ما عزز مكانته كشريك موثوق في مختلف الملفات الإقليمية والدولية، وصوت حاضر في القضايا الكبرى.
وفي قلب هذه القضايا، بقي الموقف الأردني واضحاً وثابتاً في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفض أي محاولات للالتفاف على هذه الحقوق أو فرض حلول تتجاهلها. فالسلام، من منظور أردني، لا يمكن أن يقوم على فرض الوقائع، بل على العدالة واحترام القانون الدولي، وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها.
إن أي حديث عن خرائط تمتد لتحتل دول جديدة ، هو حديث لا ينتج واقعاً، بل يخلق أزمات، ولا يعكس قوة، بل يكشف عن أزمة في فهم السياسة والدين. وفي المقابل، فإن الدول التي تبني مواقفها على الشرعية والواقعية هي التي تملك القدرة على الاستمرار والتأثير.
الأردن اليوم، كما كان دائماً، يقف في موقع الدولة التي لا تنجرّ خلف الاستفزاز، ولا تساوم على سيادتها، ولا تتخلى عن دورها. دولة تعرف أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالحكمة، وأن القوة الحقيقية ليست في التوسع، بل في الثبات.
ولهذا، سيبقى الأردن وطناً قوياً، متماسكاً، ثابتاً، وصوتاً للعقل في منطقة تضج بالتحديات ، دولة لا تنكسر أمام الأوهام، ولا تتراجع أمام الضغوط، بل تمضي بثقة، مستندة إلى تاريخها وشرعيتها، وإلى إيمان شعبها بأن هذا الوطن باقٍ، راسخ، وعصيّ على كل محاولات المساس به.