مصطلح الكتلة الحرِجة، ويُستخدم في أكثر من مجال، لكن الفكرة الأساسية واحدة، ويعني الحدّ الأدنى من العدد أو التأثير الذي عند الوصول إليه يحدث تغيّر كبير أو تحوّل واضح لا يمكن تجاهله، وهو مأخوذ من مفهوم «الكتلة الحرجة» في الفيزياء، حيث تعرف الكتلة الحرجة بأنها الحد الأدنى من المادة اللازم لبدء سلسلة من التفاعلات النووية.
ويستخدم في أكثر من مجال؛ ففي الفيزياء، ويشير إلى أقل كمية من مادة معيّنة (مثل الوقود النووي) اللازمة لبدء تفاعل ذاتي مستمر، وفي علم الاجتماع والسياسة؛ فيعني وصول عدد المشاركين أو المؤيدين إلى مستوى يجعل الفكرة أو الحركة مؤثرة وقادرة على فرض نفسها، ومثال ذلك عندما يصل عدد المحتجّين أو الداعمين لقضية ما إلى حجم يجعل صانع القرار مضطرًا للاستجابة، وفي الاقتصاد وريادة الأعمال؛ فيُستخدم لوصف عدد المستخدمين أو العملاء اللازم لنجاح مشروع أو منصة، ومثال ذلك تطبيق لا ينجح فعليًا إلا بعد وصوله إلى كتلة حرجة من المستخدمين، وفي الإعلام والرأي العام؛ فوصول قضية أو فكرة إلى حجم تداول يجعلها تتحول من شأن هامشي إلى قضية رأي عام.
وفي السياق السياسي فإن الكتلة الحرِجة، تعني في التعريف السياسي الحد الأدنى من التأييد الشعبي أو النخبوي أو المؤسسي الذي يجعل مطلبًا أو حركة أو موقفًا سياسيًا قادرًا على فرض نفسه على مراكز القرار أو إحداث تغيير ملموس في السياسات، فكيف تتشكّل الكتلة الحرجة سياسيًا؟ بعدد كافٍ من الناس، وليس بالضرورة الأغلبية المطلقة، بل عدد مؤثر ومستمر، وبتنظيم ووضوح الخطاب، والمطالب تكون محددة ومفهومة وقابلة للتعبئة، وبالانتشار جغرافي واجتماعي، وبعدم انحصارها في فئة أو منطقة واحدة، وبتفاعل النخب والمؤسسات، وبإعلام، نقابات، أحزاب، شخصيات عامة، وباستمرارية الضغط، والزمن عامل حاسم، وليس مجرد حدث عابر.
أما مؤشرات الوصول إلى الكتلة الحرجة؛ فهناك مؤشر تحوّل القضية من نقاش نخبوي إلى قضية رأي عام، ومؤشر اضطرار الحكومة أو البرلمان إلى التعليق أو التبرير أو التعديل، ومؤشر انقسام داخل مراكز القرار نفسها، ومؤشر ارتفاع كلفة تجاهل المطلب سياسيًا.
ومن الأمثلة السياسية العامة (دون تفصيل حساس)، وجود مطالب إصلاحية تبقى محدودة سنوات، ثم فجأة تصبح أولوية سياسية بعد تراكم الضغط، ومن الأمثلة ايضاً قضايا حقوقية لا تُؤخذ بجدية إلا بعد وصولها إلى كتلة حرجة من التضامن المحلي والدولي، ومن الأمثلة أيضاً سياسات عامة تتغير عندما يشعر صانع القرار أن الرفض المجتمعي أصبح واسعًا ومنظمًا، وللتفريق بين الاحتجاج والكتلة الحرجة، نقول إن الاحتجاج فعل سياسي، أم الكتلة الحرجة فهي حالة سياسية تغيّر ميزان القوة.
خلاصة القول؛ في السياسة، الكتلة الحرجة هي اللحظة التي يصبح فيها تجاهل المطلب أخطر من الاستجابة له، أي هي اللحظة التي يتحوّل فيها القليل إلى كثير، والتأثير المحدود إلى تأثير حاسم.