في عالم يموج بالتناقضات، تقف العقول حائرة أمام معادلات لا تستقيم ومنطق لا يكتمل. هل يُعقل أن دولة بحجم فنزويلا، بتاريخها العريق وشعبها الذي يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وبعد أن حققت دخلاً من مبيعات النفط الخام والوقود فقط بلغ 17.5 مليار دولار في عام واحد فقط، أن تسعى لـ “فتات النقود” من تجارة ممنوعة؟
إنها صورة تبعث على التساؤل، ليس فقط من باب الأرقام والمقارنات، بل من باب الإنسانية ذاتها. فخلف كل رقم وإحصائية، هناك بشر، هناك شعب يكافح من أجل حياة كريمة، وهناك أمة تسعى للحفاظ على كبريائها ومكانتها. عندما تُلقى الاتهامات جزافاً، وتُستخدم القوة أو التهديد بها كأداة للسياسة الخارجية، فإن أول ما يُنتهك ليس فقط القوانين، بل هو احترام العقل البشري والضمير الإنساني.
ومما يزيد المشهد غرابة، هو مد يد الحوار من الطرف الذي يُفترض أنه “المُدان”. ففي مقابلة بُثت مطلع العام 2026، وبينما كان يتجول في شوارع عاصمته برفقة زوجته، جدد الرئيس الفنزويلي دعوته لإجراء محادثات جادة مع واشنطن بشأن مكافحة تهريب المخدرات، بل وعرض على الشركات الأمريكية فرصة الوصول إلى قطاع النفط في بلاده. هذه الدعوة الصريحة للحوار والتعاون، والتي تأتي في سياق متوتر، تضع علامات استفهام أكبر حول منطقية الاتهامات الموجهة.
إن ميثاق الأمم المتحدة، الذي وُقع عليه في سان فرانسيسكو عام 1945، لم يكن مجرد حبر على ورق، بل كان عهداً بين الشعوب على احترام مبدأ المساواة في السيادة. هذا المبدأ يعني أن لكل دولة، كبيرة كانت أم صغيرة، غنية أم فقيرة، الحق في إدارة شؤونها الداخلية دون تدخل خارجي. إنه حجر الزاوية في صرح العلاقات الدولية، والضمانة الأساسية لمنع شريعة الغاب من أن تسود.
إن توجيه اتهامات خطيرة لدولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، وتهديد استقلالها السياسي، لا يمثل فقط تجاهلاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي، بل هو استخفاف بعقولنا التي تميز بين الحقيقة والزيف، وبين العدل والظلم. قبل أن نطالب باحترام القانون الدولي، الذي لا يجيز مثل هذا الأسلوب في التعامل بين الدول، علينا أن نطالب باحترام المنطق الإنساني السليم.
فلتكن العلاقات بين الدول قائمة على الاحترام المتبادل والحوار البنّاء، لا على سياسة القوة والاتهامات التي تفتقر إلى أبسط قواعد المنطق. إن السلام العالمي لا يُبنى إلا على أُسس من العدل والثقة واحترام سيادة كل أمة على أرضها وقرارها.