facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"فنزويلا" .. بين منطق القوة واعتبارات الشرعية الدولية


فيصل تايه
04-01-2026 10:53 AM

ما جرى في فنزويلا يعيد إلى الواجهة سابقة خطيرة مفادها أن العالم ما زال محكوماً بنظام دولي لا يحتكم إلى قواعد مشتركة، بل أننا أمام مرحلة تدار فيها العلاقات بين الدول بمنطق القطب الواحد، حيث تعلق القوانين حين تتعارض مع موازين القوة؟

الهجوم الذي استهدف العاصمة كاراكاس، وما أُعلن عن احتجاز الرئيس "نيكولاس مادورو وزوجته" ونقلهما خارج البلاد للتحقيق في محاكم أميركية بتهم تتعلق بالمخدرات والإرهاب، فجر حالة غضب وتساؤل دولي مشروع ، فليس ذلك دفاعاً عن نظام أو شخص، بل دفاعاً عن فكرة أن هناك قانوناً دولياً يجب أن يكون المرجع الأعلى للجميع، قويهم قبل ضعيفهم ، حيث جوهر الاعتراض لا يكمن في هوية المستهدف، بل في سابقة خطيرة توحي بأن الشرعية يمكن تجاوزها متى توفرت القدرة.

لقد وضع القانون الدولي، بعد كوارث القرن العشرين، ليكون سقفاً أعلى من إرادة الدول منفردة، ولمنع العالم من الانزلاق إلى منطق الإملاء والقوة ، فاستخدام القوة خارج حالتي الدفاع الشرعي أو تفويض مجلس الأمن لا يمثل خرقاً تقنياً للنصوص القانونية فحسب، بل مساساً بفكرة النظام الدولي ذاتها ، وحين يتم التعامل مع هذه القواعد بوصفها اختيارية، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم مقلقة ، اذ لم يعد الجميع متساوين أمام القانون.

الغضب المتصاعد عالمياً يعكس شعوراً متنامياً بأن العلاقات الدولية باتت تدار بمعايير مزدوجة، حيث يطلب من بعض الدول الالتزام الصارم بالقانون، بينما تمنح دول أخرى هامشاً واسعاً للتصرف الأحادي ، وهذا الخلل لا يهدد دولة بعينها، بل يقوض الثقة بالنظام الدولي ويجعل مفهوم السيادة ذاته موضع شك.

حتى داخل الولايات المتحدة، لم يمر ما جرى دون جدل ، فقد أعادت الخطوة فتح نقاش دستوري حاد داخل الكونغرس بشقيه، النواب والشيوخ، حول حدود صلاحيات الرئيس في استخدام القوة، وحق السلطة التشريعية في الإحاطة والمساءلة ، فبعض النواب الجمهوريين رحبوا بالعملية بوصفها "تصرفاً حاسماً ضد الفساد والمخدرات" ، بينما اعتبر الديمقراطيون أن تجاوز الرئيس للكونغرس يمثل خرقاً واضحاً للدستور ويضع شرعية أي قرار بهذا الحجم موضع تساؤل، ما يعكس حقيقة أن النقاش حول الشرعية ليس محصوراً بالساحة الدولية فقط، بل يمتد إلى قلب المؤسسات الأميركية نفسها.

لقد جاءت التطورات الأخيرة لتؤكد أن ما حدث في فنزويلا عملية فعلية مؤثرة على الأرض، حيث تم نقل مادورو وزوجته خارج البلاد، وأعلنت الولايات المتحدة أن العملية شملت ضربات عسكرية واسعة على مواقع رئيسية في العاصمة ومدن أخرى، مما يشير إلى التخطيط والتنفيذ الدقيق ، فهذه الخطوة أرسلت رسالة مزدوجة واضحة ، بان القدرة على الفعل السريع، والتأكيد على أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة في قضايا تراها استراتيجية، لكن بنفس الوقت أثارت مخاوف دولية حقيقية بشأن مدى احترام السيادة والشرعية الدولية.

ردود الفعل الدولية كانت متفاوتة بشكل واضح ، فالصين وروسيا دانتا العملية بوصفها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً لاستقرار المنطقة، ودعتا إلى إحاطة عاجلة في مجلس الأمن ، بينما دول في أمريكا اللاتينية مثل المكسيك والبرازيل أعربت عن استياء شديد واعتبرت العملية تجاوزاً للحدود القانونية وتهديداً لسلم المنطقة ، وفي المقابل، أعربت بعض الدول الأوروبية وحلفاء واشنطن عن دعم محدود، معتبرة أنها خطوة لإضعاف نظام مادورو، لكنها شددت على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي وعدم جعل القوة بديلاً عن الشرعية.

اما ومن ناحية استراتيجية، فتقع فنزويلا على أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، ما يجعل السيطرة على مفاصل الطاقة أمراً ذا بعد اقتصادي وسياسي بالغ الأهمية ، فأي تغيير في السلطة قد ينعكس مباشرة على أسواق النفط والديزل العالمية، ويعيد تشكيل موازين الطاقة في نصف الكرة الغربي، ما يعزز البعد الدولي للعملية ويزيد من حساسية ردود الفعل.

في جوهرها، تضع هذه الواقعة العالم أمام مفترق طرق واضح ، فإما التأكيد على أن النظام الدولي لا يزال يحكم العلاقات بين الدول وأن القانون هو المرجع، أو القبول تدريجياً بعالم تدار أزماته بمنطق القوة والتحالفات بدل الشرعية.

والغضب الدولي اليوم ليس رفضاً لحدث بعينه، بل رفض لمسار قد يجعل من القوة بديلاً عن القانون، ومن الاستثناء قاعدة، وهو ما يضع كل دولة أمام مسؤولية إعادة التأكيد على قيم النظام الدولي نفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :