facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأزمة الفنزويلية: ما وراء المشهد السياسي-الاقتصادي


م. سعيد المصري
04-01-2026 12:51 PM

لم تعد الأزمات الاقتصادية في العالم المعاصر تُقرأ بوصفها اختلالات مالية عابرة، بل باتت تُفهم باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لطبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد، وقدرته على الصمود أمام الصدمات الداخلية والخارجية. فالدول التي بنت اقتصادها على مورد واحد، مهما بلغت وفورته في مرحلة ما، تجد نفسها عند أول اختبار حقيقي أمام حدود هذا الخيار، لا سيما حين يقترن بضعف الحوكمة، وتسييس القرار الاقتصادي، وتأجيل الإصلاحات الهيكلية.

في هذا السياق، تبرز تجربة فنزويلا بوصفها نموذجًا كاشفًا لانهيار الاقتصادات الريعية عندما تجتمع ثلاثة مسارات خلل في آنٍ واحد. فقد أدى الاعتماد شبه الكامل على عوائد النفط إلى جعل البنية الاقتصادية شديدة الهشاشة أمام تقلبات الأسعار العالمية، بحيث تحوّل أي هبوط في السوق إلى صدمة مالية عامة طاولت قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية. هذا الخلل البنيوي ترافق مع سياسات اقتصادية قائمة على التوسع الشعبوي في الدعم، وضبط الأسعار، وتوسيع دور الدولة الإنتاجي دون كفاءة مؤسسية مقابلة، ما أسهم في تآكل الإنتاج المحلي، وتشوه آليات السوق، وانفجار معدلات التضخم، وفقدان الثقة بالعملة الوطنية.

وفي الوقت ذاته، جاءت العقوبات والضغوط الخارجية لتعمل كعامل مضاعِف للأزمة لا كمصدرها الوحيد، إذ قيّدت قدرة الدولة على تصدير النفط والوصول إلى النظام المالي الدولي، وضيّقت هوامش الحركة الاقتصادية في لحظة كانت فيها الحاجة إلى السيولة وإعادة التموضع أشدّ ما تكون. غير أن اختزال الأزمة في بعدها الخارجي وحده يُغفل حقيقة أن هذه الضغوط ما كانت لتُحدث هذا الأثر العميق لولا وجود هشاشة داخلية سابقة في بنية الاقتصاد ونمط إدارته.

ومع تعمّق الاختناق المالي، اضطرت فنزويلا إلى البحث عن قنوات تمويل بديلة خارج المنظومة الغربية، فاتجهت إلى الاقتراض المكثف من محور الصين وروسيا مقابل رهن شحنات نفطية مستقبلية. وقد تم هذا التمويل في الغالب بشروط تجارية غير متكافئة، حيث بيع النفط الفنزويلي بأسعار تقل عن متوسطات السوق العالمية، ما حوّل جزءًا معتبرًا من الثروة النفطية إلى أداة لسداد الدين بدل أن تكون رافعة للتعافي الاقتصادي. هذا النموذج القائم على “النفط مقابل السيولة” أسّس عمليًا لدورة اقتصادية موازية للعقوبات الغربية، وهو ما أدركته الولايات المتحدة مبكرًا، فانتقلت من سياسة العقوبات المالية إلى تعطيل السلسلة اللوجستية ذاتها، عبر مصادرة ناقلات نفط في عرض البحر، أو ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة على شركات الشحن والتأمين، في محاولة لإجهاض أي مسار التفاف اقتصادي خارج منظومة العقوبات المفروضة.

ويزداد هذا المشهد تعقيدًا مع المؤشرات التي ظهرت حول وقف أجهزة الاستخبارات البريطانية تزويد الشركاء الغربيين بمعلومات تتعلق بحركة ناقلات النفط الفنزويلي، وهو تطور لا يمكن فصله عن إعادة تشكّل المصالح في اقتصاد الظل النفطي. فغياب هذا التدفق الاستخباراتي يفتح المجال أمام فرضية استفادة أطراف أوروبية، من بينها المملكة المتحدة، من النفط الفنزويلي المخفّض السعر، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء وأسواق ثانوية. وبذلك، لا تبدو العقوبات أداة موحّدة التطبيق، بل ساحة صراع مصالح تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع اقتصاد الطاقة، حيث تتحول الأزمات إلى فرص انتقائية لبعض اللاعبين، في الوقت الذي تستمر فيه كلفتها الثقيلة بالوقوع على الاقتصاد والمجتمع الفنزويليين.

وتكشف هذه التجربة أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاقتصاد الريعي بحد ذاته فحسب، بل في غياب القدرة على التحوّل المنهجي عند ظهور مؤشرات الخلل، وفي الإصرار على إدارة الوفرة بدل الاستعداد لإدارة الندرة. فالدولة التي لا تستثمر في تنويع اقتصادها، ولا تبني مؤسسات قادرة على إدارة السوق بعدالة وكفاءة، تصبح عرضة لأن تتحول أزماتها الاقتصادية إلى أزمات اجتماعية ثم سياسية، تهدد العقد الاجتماعي ذاته وتضع سيادتها الاقتصادية في مهبّ التوازنات الدولية.

وعليه، فإن الحالة الفنزويلية لا ينبغي قراءتها كاستثناء، بل كنموذج تحذيري في عالم يتجه بسرعة نحو تسييس الاقتصاد، وتسليع الطاقة، وتحويل العقوبات إلى أدوات صراع مفتوحة. وهو نموذج يُظهر أن غياب الإصلاح الداخلي يجعل أي دولة، مهما امتلكت من موارد، عرضة لأن تُدار أزماتها من الخارج، وأن تتحول ثرواتها من مصدر قوة إلى ورقة تفاوض في صراعات لا تملك السيطرة على مساراتها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :