الذاكرة .. نافذتنا إلى الأمس
سهى الصبيحي
04-01-2026 06:27 PM
نسعى أحيانا بكل ما أوتينا من جهد إلى استدعاء الذاكرة، لعلها تخفف علينا وطأة الشعور بالغربة، وتعيد إلينا شيئا من الألفة.
فالذاكرة ليست مجرد مخبأ لما مضى، بل ملجأنا حين نشعر أن البوصلة قد انحرفت عن مسارها، وملاذنا حين يداهمنا الحنين إلى أيام عبرت ولن تعود.
غير أن للذاكرة وجها آخر؛ فهي ذلك الزائر الخفي الذي ينازعنا في لحظات لا نختارها ولا نخطط لها، حين تتسلل الذكريات على حين غرة، بلا موعد ولا استئذان، فتوقظ فينا ما ظنناه مضى، وتعيد ترتيب مشاعرنا دون سابق إنذار.
قد تزورنا حينما نعبر شارعا عرفناه في الطفولة، أو حين تعبق أنوفنا برائحة حلوى خبزتها الجدات، أو حين نصغي إلى زقزقة العصافير، أو عندما نستسلم لعبق الياسمين.
وقد يخيل إلينا وقع أقدام أحبة مروا ذات يوم، أو نستعيد طعم الطفولة في حبة كرز شهية تذوقناها يوما على عجلة، لكنها حفرت مكانها في الذاكرة إلى الأبد.
هكذا هي الذاكرة، كنافذة سرية نطل منها على ذواتنا الأولى، ونلتقط عبرها ملامحنا القديمة، ونجد فيها ما يعيننا على الاستمرار، حين يضيق بنا الحاضر وتثقل خطواتنا نحو الغد.