في السياسة الدولية لا مكان للعواطف، ولا وزن حقيقي للشعارات إن لم تُترجم إلى نتائج. الولايات المتحدة لا تتصرف بوصفها دولة مثالية ، بل كقوة تعرف ماذا تريد وتتحرك لحمايته بلا تردد. من هنا يأتي السؤال : حين تدافع أمريكا عن مصالحها بقسوة، هل تكون مخطئة… أم فقط واقعية؟
في الحالة الفنزويلية، يصعب تجاهل حقيقة أن بلدًا يملك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم تحوّل إلى دولة طاردة لشعبها. ملايين هاجروا، الاقتصاد انهار، والعملة فقدت قيمتها. لم يحدث ذلك بفعل “الإمبريالية” وحدها كما يروّج الخطاب الرسمي، بل نتيجة نظام حكم اختار الأيديولوجيا على حساب الإنسان.
تدخل الولايات المتحدة كان سريعًا وحاسمًا، لا بدافع إنساني خالص، بل لأن الفوضى قربها خطر لا يمكن تركه يتضخم.
هنا يظهر الفارق الجوهري بين نمطين من الحكم:
أنظمة يسارية تسحق شعوبها بحجة مقاومة الإمبريالية، وتطالب المواطن بالصبر والجوع والتضحية باسم “المعركة الكبرى”، فيما تُهدر الثروات وتُحمى النخب. في المقابل، دول غربية لا تتردد في سحق عدوها الخارجي، لا دفاعًا عن شعارات، بل لتعزيز رفاهية شعبها، واستقرار اقتصادها، وأمن مواطنيها. هذا هو الفرق العميق بين الخطاب الرنان والتطبيق الفعلي.
صدام حسين، نيكولاس مادورو، بشار الأسد… جميعهم كانوا بارعين في الخطابة، متقنين للغة التحدي والمقاومة. لكن خلف المنصات والميكروفونات كان المشهد مختلفًا:
فساد كارثي، مؤسسات منهارة، ثروات مهدورة، وشعوب تزداد فقرًا عامًا بعد عام و حروب لا فائدة منها. في سوريا، تحولت الدولة إلى ساحة مفتوحة للميليشيات والمخدرات. في فنزويلا، انهارت منظومة كاملة باسم “السيادة”. الخطاب واحد، والنتيجة واحدة: سحق الداخل بحجة مواجهة الخارج.
يبقى السؤال بدون اجابة: لماذا تركت أمريكا أنظمة تقاتل شعوبها لسنوات دون تدخل حاسم، بينما أزاحت أنظمة أخرى خلال ساعات؟
الجواب ليس أخلاقيًا ، بل جغرافي. ما يقترب من حدودها أولوية، وما يهدد نفوذها المباشر يُحسم سريعًا. في السياسة، القرب يصنع القرار، لا حجم المأساة.
ربما حان الوقت لأن تعيد أنظمة كثيرة النظر في خطابها. عصر المؤامرات الجاهزة وتخدير الشعوب بشعارات “الصمود” و”الاشتباك مع الإمبريالية” لم يعد مقنعًا. العالم اليوم تحكمه معادلة بسيطة: من ينجح في تحسين حياة شعبه ينجُ، ومن يختبئ خلف الأيديولوجيا يسقط، ولو بعد حين.
أمريكا لا تحكم العالم لأنها الأفضل ، بل لأنها فهمت لعبة القوة وأتقنتها. لكن خطورة هذا النموذج أنه يفتح الباب أمام قوى أخرى لتقليده: الصين قد تجد في ذلك مبررًا للمضي في احتلال تايوان، وروسيا قد ترى فيه ضوءًا أخضر لمغامرات جديدة. حين يصبح منطق القوة هو القانون الوحيد، فإن العالم كله يدخل منطقة رمادية بلا ضمانات.
أمريكا قد تكون “على حق” من زاوية مصالحها، لكنها ليست معيار العدالة. أما الحقيقة الأوضح، فهي أن الأنظمة التي تفشل في خدمة شعوبها، ستسقط… سواء بيد شعوبها، أو بتدخل قوة لا تعبأ بشعاراتها ، فمن الصعب جدا أن تواجه عدوك بسلاح يصنعه ، بتكنولوجيا تعتاش عليه ، بذكاء تستورده منه ، من الصعب أن تواجه عدوا أن تعتمد على ما يبدع به ، ما ينتجه ، ما يصدّره لك...ليس خطابا انهزاميا...بل واقع واضح لا يحتاج للقراءة و التحليل.