قراءة للحرب على إيران بعد مرور إسبوع
م. مهند عباس حدادين
07-03-2026 10:24 AM
بعد مرور إسبوع على الحرب التي شنتها الولايات المتحده وإسرائيل على إيران،بقرار لم ينضج سياسيا وعسكريا عند إتخاذه من قبل الولايات المتحده حيث ان الرئيس ترمب كان يعيش نشوه إعتقال مادورو الرئيس الفنزويلي المخلوع وتشكيل مجلس السلام العالمي وكأنه رجل السلام ، والضغط الذي واجهه من صديقه نتنياهو الذي حلمه الكبير هو القضاء على النظام الإيراني بتفكيك برنامجها النووي والصواريخ البالستيه ليكون بطلا في نظر الإسرائيليين ليشفع له هذا العمل مما نسب له من محاكمات،ولا ننسى نظرة ترمب الى إيران كبحر من النفط يريد الإسراع في السيطرة عليها،لتزيد صفقاته الإقتصادية.
كل ذلك أبعد الرئيس ترمب عن الواقع وهو ان الدخول بحرب مع إيران مغامرة كُبرى ،فلم يعطي الدبلوماسية حقها في التفاوض ولم يستمع الى الإحاطات العسكرية من القادة العسكريين الأمريكيين ولا حتى حلفائه في الناتو بالشكل الصحيح ،وأنفرد بقراره بعيدا عن مجلسي النواب والشيوخ ،وكان متسلحا بأنه أوقف 7 حروب ولم يكن يعلم بأنه أشعل ضعف هذه الحروب .
لقد كانت الخطة الأمريكية الإسرائيلية بأن تكون ساعة الصفر برصد إجتماع كبير للقادة الإيرانيين وعلى رأسهم المرشد الإيراني لأن التصور كان بالقضاء على رأس هذا النظام مع إمتلاك السيطرة على الأجواء الإيرانية وخصوصا مع الضربة الإستباقية ستنتهي المهمة في غضون 3 أيام ليخضع الشعب الإيراني للأمر الواقع .
لكن ما حصل جاء بعكس ما خططت له الولايات المتحده وإسرائيل،بدأت إيران بتحويل المعركة الى حرب دولية إقتصادية وعسكرية،ولم تتأثر بغياب رأس النظام وبعض من قادته بل أصبح الإيرانيون أكثر لُحمة من أي وقت مضى،وأصبحت أكثر عدائية مع جميع جيرانها.
فبالنسبة للجانب العسكري يعلم الإيرانيون أن سلاحهم الجوي والبحري ومضاداتهم الدفاعية لن تسعفهم بشيء فكان إعتمادهم الرئيسي على وسيلتين رئيسيتين هما :الطائرات المسيرة والصواريخ القصيرة المدى والمتوسطة المدى والبالستية ،وأصبح الهدف الرئيسي للإيرانيين هو الإستنزاف لأن إيران تمتلك عشرات الآلاف من الطائرات المسيرة والآلاف من الصواريخ فقامت بإستهداف جميع القواعد الأمريكية في المنطقة ،من أجل تدمير منظومة الرادارات التي تتبع صواريخها وخصوصا البالستية التي تستهدف إسرائيل ،فمساحة إيران الواسعة وطبيعتها الجغرافية سمحت باللامركزية في القيادة والسيطرة وقامت بتوزيع وإخفاء وتمويه منصات الصواريخ والطائرات المسيرة لتصمد حتى نهاية الأسبوع الأول رغم التدمير الذي حصل لهما ،لكن الذي زاد مخاوف الولايات المتحدة بأن قدرة المنظومات الدفاعية من القبة الحديدية وباتريوت وثاد وأرو بدأت بالنفاذ ناهيك عن الكلفة العالية للإعتراض وخصوصا ان تكلفة الطائرة المسيرة الواحدة الإيرانية حوالي 30 الف دولار بينما كلفة صاروخ القبة الحديدية 50 الف دولار وصاروخ الباتريوت 4 مليون دولار وصاروخ أرو2 و أرو3 تبلغ 3 مليون دولار بينما تكلفة صاروخ الثاد الذي يتصدى للصواريخ البالستية الإيرانية يبلغ 12 مليون دولار ، وهذا صعّب الأمور على الولايات المتحدة ،بأن الحرب قد تمتد لأسابيع قادمة ،وأن أضرار الجانب الإسرائيلي بدأت تزداد مع التدرج بإطلاق الصواريخ الإيرانية التي بدأت باليوم الرابع بإطلاق صواريخ إنشطارية وصواريخ تزيد سرعتها عن 8 ماخ (1ماخ يساوي 1225-1235كم/ساعه)مما يعني زمن الوصول لإسرائيل اصبح من 2 الى 3 دقائق.
كل ذلك وضع خيارين أمام الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في وقت اقل وكلاهما أصعب من الآخر :الأول الغزو البري لإيران لأن القصف الجوي الأمريكي -الإسرائيلي والإستنزاف من قبل الإيرانيين لن يؤديا الى نتيجة ،اما الخيار الثاني فهو إستخدام النووي التكتيكي .
اما بالنسبة للجانب الإقتصادي،قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز لأنها تعلن بأن 20%من النفط العالمي يمر من هذا المضيق ،وبدأت بإستهداف أدوات النفط في الخليج من خزانات وقود ومصافي وأنابيب ناقله للنفط وسفن الشحن وذلك من أجل الضغط على العالم إقتصاديا بشكل عام وعلى الولايات المتحدة بشكل خاص وخصوصا أن ترمب هو المنقذ للإقتصاد الأمريكي وأنه سيخفض أسعار النفط لنمو إقتصاد الولايات المتحدة وتقليل التضخم ،لكن ما حصل بعد الإسبوع الأول إرتفعت أسعار النفط ولامست 90 دولار وانعكس ذلك على الفور على الشعب الأمريكي بغلاء أسعار الوقود،ومن المتوقع ان يتجاوز برميل النفط 100 دولار في الإسبوع الثاني من الحرب ،وأيضا في حالة توقف الحرب لن يعود النفط بأسعاره كما كان قبل الحرب ،لأن كمية النفط الذي يورد من الخليج العربي ستقل كميته بنسبه قد تصل الى 25% لسنوات عديده.
أما بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أصبحوا أكثر قلقا من تحالفهم معها وذلك لإقحامهم بهذه الحرب وهم جميعا ليسو بطرف فيها ، لما تلقوه من خسائر في الأرواح والممتلكات والبنية التحتية .
لذلك وجب على العرب تقديم أنفسهم بوجه آخر في المنطقة فالزج ب 8 دول عربية في هذا الصراع دون موافقة سيادية لأي دولة منهم تحتاج الى الوقوف والتفكير بعمق الى أين وصل الحال العربي.
منذ عقود مضت كان العرب مجمعين بأن قضيتهم الأولى هي القضية الفلسطينية فكانت تملأ صفحات وملفات قممهم العربية هذه القضية،وموقفهم واحد وثابت ،وكانت قوى الإقليم والدول الأوروبية وروسيا والصين تدعم ذلك الموقف.
لكن بعد الربيع العربي فقد العرب بوصلتهم واصبح كل واحد منهم يغرد خارج السرب ،فبدأت القوى الإقليمية والدولية تتسابق لاستقطاب الدول العربية ضمن تحالفات ثنائية او تحالفات لمسميات جديدة كمكافحة الإرهاب او لمحاربه التطرف الديني،وأصبحت دول إقليمية أخرى تتاجر بقضيتهم الفلسطينية لتحقيق أهدافها الخاصة،ولا يعلم أحد ان الغاية الرئيسية هو تشتيت الموقف العربي الموحد وإستنزاف الموارد العربية خدمة لمصالحهم,فوحده العرب السياسية والعسكرية والإقتصادية أصبحت حتمية لتجنب أية مخاطر مستقبلية.
لقد نادى جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم من أجل حل الخلافات العربية في الإطار العربي وعدم توسعة الخلافات العربية حتى لا يتم إستغلالها إقليميا ودوليا،ودعى الى حفظ التوازن في منطقتنا كي لا تنزلق الأمور الى اللامجهول وكان محور حديثه الدائم وخطابه السياسي في المحافل الدولية هو حل القضية الفلسطينية لإقامة دولتهم على أرضهم في فلسطين ليعم السلام في منطقتنا ،وان يكون للعرب قرارا موحدا وصوتا واحدا في المحافل الإقليمية والدولية ، لكن وقع المحضور وها هي الحرب قد إشتعلت والأردن ينأى بنفسه عن أي تدخل في هذه الحرب ويدعو دوما الى الحل الدبلوماسي.
ختاما مع نهاية الإسبوع الأول من الحرب على إيران تورط الرئيس الأمريكي ترمب نتيجة تعقد أمور الحرب في المنطقة لعدم إدراكه وإلمامه الكامل لمتغيرات الإقليم ،فليس له خيار سوى الخيار الدبلوماسي والجلوس على طاولة المفاوضات مع إيران من جديد بضمانات فاعلة وبشروط أقل.
* الخبير والمحلل الإستراتيجي والإقتصادي - مدير مركز جوبكينز للدراسات الإستراتيجية.