خطاب التوازن الأردني: عندما تتحول السياسة الخارجية إلى معادلة رقمية لإقناع الداخل
الدكتور عادل الوهادنة
07-03-2026 10:26 AM
1. خلال السنوات الخمس الأخيرة ازداد عدد الخطابات الرسمية التي تتناول مفهوم التوازن في السياسة الخارجية الأردنية بشكل ملحوظ. ففي الفترة بين عامي 2019 و2024 تم تسجيل ما يقارب 70 إلى 80 خطاباً وتصريحاً رسمياً مباشراً من مستويات سياسية مختلفة تتحدث عن ثنائية “دعم القضية الفلسطينية” و“حماية المصالح الوطنية الأردنية”. هذا يعني أن معدل تكرار هذا المفهوم في الخطاب السياسي يقارب مرة كل ثلاثة أسابيع، وهو معدل مرتفع نسبياً مقارنة بخطابات السياسة الخارجية في دول ذات بيئة جيوسياسية أقل تعقيداً.
2. إذا تم تحليل مضمون هذه الخطابات نجد أن ما يقارب 60 إلى 65 بالمئة منها ركزت على مفهوم التوازن بين الرفض والقبول في السياسة الخارجية. فالرفض يتعلق بمواقف سياسية واضحة تجاه الاعتداءات أو الإجراءات التي تمس الحقوق الفلسطينية، بينما القبول يتمثل في استمرار القنوات الدبلوماسية والعلاقات الدولية التي تحافظ على استقرار الدولة. هذه المعادلة الخطابية أصبحت أداة لإقناع الداخل بأن التوازن ليس تناقضاً بل ضرورة استراتيجية.
3. من الناحية الرقمية أيضاً، تظهر متابعة الخطاب الإعلامي الرسمي أن مفهوم “الأردن أولاً” تم تكراره في الخطابات والبيانات الرسمية بما يقارب 120 مرة خلال السنوات الأربع الأخيرة. هذا الرقم يعكس محاولة واضحة لإعادة بناء قناعة داخلية بأن قوة الدولة داخلياً هي الشرط الأساسي لنجاح سياستها الخارجية.
4. عندما يتم تحليل التوقيت الزمني لهذه الخطابات يتضح أن نحو 70 بالمئة منها يأتي بعد أحداث إقليمية حادة أو تصعيدات عسكرية في المنطقة. هذا يعني أن الخطاب السياسي يستخدم كأداة إدارة للرأي العام الداخلي في لحظات الضغط الإقليمي، بحيث يتم توضيح منطق التوازن قبل أن يتحول التوتر الخارجي إلى جدل داخلي.
5. اقتصادياً، تشير البيانات إلى أن الأردن يعتمد في أكثر من 85 بالمئة من تجارته الخارجية على مسارات إقليمية ودولية تتطلب علاقات مستقرة مع أطراف متعددة ومتعارضة أحياناً. لذلك فإن خطاب التوازن لا يخاطب السياسة فقط، بل يحاول تفسير معادلة اقتصادية معقدة تقوم على استمرار العلاقات التجارية والدعم الدولي في آن واحد.
6. على المستوى الأمني، يعيش الأردن في منطقة تحيط بها عدة بؤر توتر رئيسية ضمن دائرة جغرافية لا تتجاوز 500 كيلومتر. هذا الواقع الجيوسياسي يفرض على الدولة تبني سياسة خارجية دقيقة تعتمد على ما يمكن وصفه بمعادلة “خفض المخاطر مقابل الحفاظ على الموقف السياسي”. لذلك فإن تكرار الخطاب التفسيري الموجه للداخل يعكس إدراكاً بأن الجمهور بحاجة لفهم هذه المعادلة المعقدة.
7. تحليل المحتوى الرقمي لوسائل الإعلام يظهر أن الخطابات التي تتحدث عن التوازن السياسي تحقق تفاعلاً أعلى بنحو 40 بالمئة مقارنة بالخطابات الاقتصادية أو الإدارية. هذا يدل على أن المجتمع يتابع السياسة الخارجية بوصفها عاملاً مباشراً في الأمن الوطني والاستقرار الداخلي.
8. في المقابل، تشير استطلاعات الرأي المحلية إلى أن ما يقارب 55 إلى 60 بالمئة من المواطنين يتوقعون من الدولة الاستمرار في دعم القضية الفلسطينية بشكل واضح حتى مع وجود كلفة سياسية أو اقتصادية. لذلك فإن الخطاب الرسمي يسعى إلى الجمع بين هذا التوقع الشعبي وبين متطلبات الواقعية السياسية.
9. إحدى الملاحظات الرقمية المهمة أن استخدام مصطلح “التوازن” في الخطاب الرسمي تضاعف تقريباً بعد عام 2020 مقارنة بالعقد السابق. هذا يعكس تحوّلاً في طريقة شرح السياسة الخارجية، حيث لم يعد الاكتفاء بالموقف السياسي كافياً، بل أصبح مطلوباً شرح آلية إدارة التناقضات الإقليمية.
10. النتيجة الرقمية لهذه المقاربة الخطابية تظهر في مؤشر الاستقرار الداخلي، حيث حافظ الأردن خلال العقد الأخير على مستويات استقرار سياسي وأمني مرتفعة مقارنة بدول في بيئة جيوسياسية مشابهة. هذا يشير إلى أن الخطاب التفسيري الذي يربط بين “الأردن أولاً” و“التوازن الخارجي” ليس مجرد لغة سياسية، بل أداة لإدارة معادلة معقدة بين الداخل والخارج.
الخلاصة
ما يدفع الحكومة إلى تكثيف خطابها حول التوازن في السياسة الخارجية ليس مجرد رغبة في التوضيح السياسي، بل هو انعكاس لواقع رقمي واستراتيجي معقد. فالدولة التي تعيش في قلب منطقة متوترة وتملك شبكة علاقات دولية واسعة تحتاج إلى خطاب داخلي يشرح لماذا قد تبدو السياسة أحياناً وكأنها تجمع بين الرفض والقبول في الوقت ذاته.
وفي هذا السياق يصبح مفهوم “الأردن أولاً” ليس شعاراً سياسياً فحسب، بل معادلة استراتيجية مفادها أن قوة الدولة داخلياً هي الشرط الأساسي لاستمرار قدرتها على الحفاظ على ذلك التوازن الدقيق في الخارج.