حرب إيران .. صراع القوة ومستقبل الشرق الأوسط
د. هاني العدوان
07-03-2026 12:07 PM
الشرق الأوسط يدخل مرحلة اشتعال واسعة مع اندلاع المواجهة بين اميركا والكيان من جهة وإيران من جهة أخرى
المشهد يتجاوز حدود الضربات العسكرية ليصل إلى صراع مفتوح على موازين القوة وعلى خرائط النفوذ وعلى شكل النظام الإقليمي الذي يتكون في هذه المنطقة الحساسة من العالم
السماء المزدحمة بالصواريخ والطائرات والمسيرات تعكس وجها واحدا من هذا الصراع
أما جوهر المواجهة فيكمن في معركة سياسية واستراتيجية كبرى تدور حول من يمتلك القدرة على توجيه مسار الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة
هذه المواجهة جاءت بعد عقود من التوتر والتنافس الحاد بين واشنطن وطهران
الصراع الذي بدأ مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979 تحول مع مرور الزمن إلى شبكة واسعة من المواجهات غير المباشرة والعقوبات الاقتصادية وصراعات النفوذ في أكثر من ساحة إقليمية
ومع اتساع هذا التنافس أصبح البرنامج النووي الإيراني النقطة الأكثر حساسية في هذه العلاقة
أميركا والكيان ينظران إلى امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية باعتباره تغيرا عميقا في ميزان القوة الإقليمي
الكيان يرى في ذلك تهديدا مباشرا لأمنه القومي
أما اميركا فترى أن ظهور قوة نووية جديدة في الشرق الأوسط قد يدفع المنطقة إلى سباق تسلح واسع يغير طبيعة التوازنات الأمنية فيها
في المقابل تنظر إيران إلى برنامجها النووي والصاروخي بوصفه جزءا من حقها السيادي وأداة لتعزيز قدرتها على الردع في بيئة إقليمية مضطربة
امتلاك هذه القدرات يمنحها هامشا أوسع في مواجهة الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية
غير أن العلاقة بين اميركا وإيران حملت عبر العقود وجوها أكثر تعقيدا من مجرد الصراع المباشر
فالمشهد الإقليمي شهد مراحل تقاطعت فيها المصالح بصورة غير مباشرة نتيجة التحولات الكبرى التي مرت بها المنطقة
ظهر ذلك بوضوح بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003
سقوط الدولة العراقية فتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني واسع في قلب المشرق العربي
في هذا الفراغ وجدت إيران فرصة لتوسيع نفوذها داخل العراق عبر قوى سياسية وتنظيمات مسلحة ظهرت في تلك المرحلة
تغير ميزان القوة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين شكل نقطة تحول في تاريخ المنطقة
فالعراق الذي كان يمثل ثقلا سياسيا وعسكريا في معادلة التوازن الإقليمي تحول إلى ساحة نفوذ متنافسة
إعدام الرئيس صدام حسين عام 2006 أغلق مرحلة تاريخية كاملة وفتح الباب أمام تمدد النفوذ الإيراني في المشرق العربي
ومن العراق امتد هذا النفوذ إلى ساحات عربية أخرى
في سوريا تعزز الحضور الإيراني عبر دعم النظام السوري البائد خلال سنوات الحرب
وفي لبنان ازداد نفوذ حزب الله كقوة عسكرية وسياسية مرتبطة بطهران
وفي اليمن ظهر الدور الإيراني عبر دعم جماعة الحوثي التي أصبحت قوة عسكرية مؤثرة في معادلة الصراع هناك
بهذا الشكل تشكلت شبكة نفوذ إقليمية منحت إيران قدرة على التأثير في مسارات عدد من الدول العربية
هذا التمدد الإقليمي ترافق مع تطور البرنامج النووي الإيراني الأمر الذي رفع مستوى التوتر مع الولايات المتحدة والكيان إلى درجة غير مسبوقة
ومع مرور الوقت وصلت العلاقة بين الأطراف الثلاثة إلى مرحلة أصبح فيها الصدام العسكري خيارا مطروحا بقوة
الضربات العسكرية التي تشهدها المنطقة اليوم تمثل محاولة لإعادة رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط وتقليص النفوذ الإيراني في الإقليم
المرحلة الأولى من العمليات ركزت على ضرب منظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة والسيطرة وبعض القواعد الصاروخية
الهدف من هذه الضربات تحقيق تفوق جوي يسمح للطائرات الأميركية والإسرائيلية بالعمل بحرية داخل المجال الإيراني
المرحلة التالية اتجهت إلى استهداف المنشآت النووية والبنية التحتية المرتبطة ببرنامج الصواريخ الباليستية
هذه العمليات تحمل هدفين رئيسيين
الأول تقليص القدرة العسكرية الإيرانية خاصة في مجال الصواريخ بعيدة المدى
والثاني إعادة البرنامج النووي الإيراني سنوات إلى الوراء عبر تدمير المنشآت الحساسة ومراكز البحث والتطوير
في المقابل تدرك إيران أن هذه الضربات تستهدف قدراتها الاستراتيجية وموقعها الإقليمي
ولهذا جاء ردها عبر استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ومحاولة توسيع دائرة الضغط في الممرات البحرية ومناطق الطاقة
امتداد التوتر إلى هذه المناطق الحيوية يضع الاقتصاد العالمي أمام ضغوط كبيرة لأن أمن الطاقة وحركة التجارة الدولية يرتبطان مباشرة باستقرار هذه الممرات
في قلب هذه المعادلة تقف الدول العربية أمام وضع شديد الحساسية
الجغرافيا العربية تمثل المساحة التي تتقاطع فيها خطوط الصراع وأي توسع في العمليات العسكرية سينعكس مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي
الدول العربية المتوسطة للصراع مثل الأردن ومصر والعراق وسوريا ولبنان وبعض دول الخليج تقع في مركز هذا المشهد
هذه الدول ليست طرفا مباشرا في الحرب لكنها تتأثر بنتائجها أكثر من غيرها لأنها تمثل المجال الجغرافي الذي تتحرك داخله التوازنات الإقليمية
خروج إيران من هذه الحرب وهي ضعيفة ومجروحة سيغير المشهد الإقليمي بصورة واضحة
تراجع النفوذ الإيراني يمنح الكيان شعورا أكبر بالتفوق الاستراتيجي وقد يدفعه إلى توسيع حضوره السياسي والأمني في المنطقة
أما استمرار قوة إيران مع بقاء الكيان مدعوما من الولايات المتحدة فيعني دخول المنطقة مرحلة توازن صدامي بين قوتين كبيرتين
في هذا الوضع تصبح الدول العربية ساحات تماس بين مشروعين متنافسين
لهذا يصبح السؤال الكبير أمام الدول العربية اليوم سؤال البقاء الاستراتيجي في منطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة
المنطقة تقف أمام احتمالين كبيرين لكل واحد منهما تبعات عميقة على مستقبل الدول العربية
الاحتمال الأول يتمثل في خروج إيران من هذه الحرب وهي ضعيفة ومجروحة سياسيا وعسكريا
في هذا المشهد يزداد التفوق الإسرائيلي في المنطقة ويختل ميزان الردع الإقليمي بصورة واضحة
عند هذه النقطة قد يتجه الكيان إلى فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة مستفيدة من اختلال التوازن الإقليمي
حديث الكيان المتكرر عن خرائط النفوذ وعن المجال الحيوي وعن الأمن الممتد عبر المنطقة يعكس تصورا استراتيجيا يقوم على تثبيت التفوق العسكري وتحويله إلى نفوذ سياسي دائم
هذا الواقع يضع الدول العربية أمام مرحلة ضغط استراتيجي طويل
فالمنطقة عند غياب قوة موازنة قد تتحول إلى فضاء تتحرك فيه القوة الإسرائيلية بحرية أكبر في رسم ترتيبات الأمن الإقليمي وفي فرض تصوراتها لمستقبل الصراع العربي الاسرائيلي
الاحتمال الثاني يتمثل في خروج إيران من الحرب وهي ما تزال محتفظة بقدرتها على الردع مع استمرار التفوق العسكري للكيان والدعم الأميركي الكامل
في هذه الحالة تدخل المنطقة مرحلة توازن صدامي بين قوتين كبيرتين
كل قوة تمتلك أدواتها العسكرية وشبكات نفوذها الإقليمية
هذا التوازن الصدامي لا يقود إلى استقرار بل إلى حالة استنزاف مستمر تتخللها صراعات غير مباشرة وضربات محدودة وعمليات أمنية متبادلة
وفي مثل هذه البيئة تتحول الدول العربية إلى ساحات تماس بين مشروعين متنافسين
الخطر الأكبر في هذا السيناريو لا يظهر في شكل اجتياحات عسكرية مباشرة بل في شكل إنهاك طويل للدول والمجتمعات
ضغوط اقتصادية توترات أمنية اضطرابات سياسية واختراقات داخلية متكررة
هذا النوع من الصراعات يمثل أخطر التحديات أمام الدول المتوسطة لأنه يضعف قدرتها على اتخاذ القرار المستقل ويقوض مناعتها الداخلية مع مرور الزمن
ولهذا تصبح القضية الأساسية أمام الدول العربية قضية بناء القدرة على الصمود الاستراتيجي
الاستقرار الداخلي القوي يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التحولات الإقليمية
والاقتصاد المتماسك والمؤسسات المستقرة والمجتمعات المتماسكة تمنح الدولة قدرة أعلى على امتصاص الضغوط الخارجية
كما يبرز العمل العربي المشترك بوصفه ضرورة استراتيجية ملحة، فالدول المتفرقة تبقى عرضة للضغوط أما الدول التي تنسق مواقفها وتبني منظومات تعاون اقتصادي وأمني فإنها ترفع قدرتها على حماية مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة
وفي ضوء هذه المعادلة يظهر بوضوح أن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده نتيجة المعركة العسكرية وحدها
بل ستحدده قدرة دول المنطقة على إعادة بناء توازنات جديدة تحمي الاستقرار وتمنع انزلاق المنطقة إلى دوامات صراع طويلة
ولهذا تبقى اللحظة الراهنة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الشرق الأوسط
فما يجري اليوم لا يرسم حدود المعركة بين إيران والكيان فحسب بل يرسم أيضا ملامح النظام الإقليمي الذي ستعيش في ظله شعوب المنطقة خلال العقود القادمة
وقد تختصر الصورة كلها في حقيقة واحدة
كل حرب كبرى في الشرق الأوسط تعيد رسم الخرائط السياسية للمنطقة
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة على العواصم العربية ليس من سينتصر في هذه الحرب
بل كيف تحمي الدول العربية نفسها من أن تتحول إلى الأرض التي تعاد فوقها كتابة خرائط الشرق الأوسط مرة أخرى