تعديلات قانون الضمان الاجتماعي بين الشرعة الاجتماعية والتشريع الدستوري
السفير د. موفق العجلوني
28-02-2026 02:18 PM
مع كل الاحترام و التقدير لكل الاشرعة الاجتماعية و السياسية التي تشرع من هنا و هناك حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي ، فإن النقاش حول تعديل قانون الضمان يجب أن يبقى ضمن إطاره الدستوري والمؤسسي، بعيداً عن تضخيم المسألة أو تحويلها إلى ساحة استقطاب شعبي.
الأصل في النظام الدستوري الأردني أن التشريع يتم عبر السلطة التشريعية، أي مجلس الأمة بشقيه، بعد أن تحيل الحكومة مشروع القانون إليه. وبالتالي فإن الحوار البرلماني عبر اللجان المختصة، واستدعاء الخبراء وممثلي القطاعات المختلفة، هو في حد ذاته "حوار وطني" منظم، وليس التفافاً عليه.
كما أشار دولة رئيس الوزراء جعفر حسان في مداخلاته، فإن أي تعديل على قانون الضمان يستند إلى دراسات اكتوارية واعتبارات استدامة مالية طويلة الأمد، وليس إلى قرارات انفعالية أو استعجال غير محسوب. الضمان الاجتماعي ليس ملفاً شعبوياً، بل منظومة مالية واستثمارية تمس حقوق أجيال قادمة.
وفي السياق ذاته، فإن ما طرحته في مقالات سابقة و من خلال دراسات قام بها " مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية " تم التركيز على ضرورة تحصين المؤسسة من التسييس والمزاودات، وأن الإصلاح الحقيقي يجب أن يُبنى على المعرفة والخبرة، لا على ضغط الشارع أو التخويف.
بنفس الوقت إن الدعوة لاستفتاء شعبي او دعوات احزاب حول كل تعديل تشريعي، خاصة في ملفات تقنية معقدة كقانون الضمان، قد تفتح الباب أمام قرارات عاطفية لا تراعي الحسابات الاكتوارية ولا متطلبات الاستدامة. هنا تنطبق المقولة: "أعطِ الخبز لخبازه"، أي اترك المسائل الفنية لأهل الاختصاص، مع بقاء الرقابة والمساءلة حقاً مكفولاً للجميع.
الضمان الاجتماعي ليس ساحة صراع سياسي، بل أمان اقتصادي للمؤمَّن عليهم، وللمتقاعدين، وللشباب الباحثين عن عمل. المطلوب اليوم تهدئة السجال، وتمكين المختصين واللجان النيابية من أداء دورهم، وتقديم مقترحات عملية توازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
النقد حق، والمساءلة واجب، لكن تضخيم الخلاف أو تصويره كأزمة وطنية قد يضر بثقة المواطنين بالمؤسسة أكثر مما يخدمها .
مع كامل الاحترام لكل الاشرعة الاجتماعية و الحزبية و الاقلام الوطنية ، الا انه يحق لنا أن نتساءل بدعابة محبة: أليس مجلس الامة بشقيه النواب و الاعيان جزءًا من السلطة التشريعية؟ فإذا كنا نطالب بحوار وطني شامل، أليست القبة هي المكان الطبيعي لهذا الحوار؟
إذا كانت الحكومة أخطأت — كما ذهب البعض و لهم الاحترام و التقدير — بعدم توسيع الحوار، فالمجلس أمامه الصلاحية الكاملة للنقاش والتعديل والاستدعاء والاستماع لكل الخبراء والفعاليات. هنا يكون الفعل لا العتب.
أما تعديلات قانون الضمان، فقد أوضح دولة الرىيس الدكتور جعفر حسان الأسس التي قامت عليها، وبيّن أن الأمر مرتبط بالاستدامة والحسابات الاكتوارية، لا بردّات فعل أو استعجال سياسي. وكما يُقال: "قطعت جهينة قول كل خطيب" — عندما تتكلم الأرقام والدراسات، يسكت الجدل.
الضمان ليس ساحة مزاودة، ولا منصة انتخابية، بل أمان أجيال. والكرة اليوم في ملعب السلطة التشريعية، لا في ساحات الشعبوية.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
muwaffaq@ajlouni.me