ما بعد مفاوضات إسلام آباد
د. محمد أبو رمان
15-04-2026 12:30 AM
لا يزال موضوع الجولة الثانية من المفاوضات بين الإيرانيين والأميركيين محل تداول وتسريبات إعلامية، من دون وجود تأكيدات رسمية من الطرفين أو أحدهما (حتى كتابة هذه السطور)، وعلى الأغلب فإنّ أي اتفاق على جولة جديدة لن يكون من دون إحراز تقدّم في القنوات الخلفية حول القضايا الخلافية المطروحة، أو بعبارة أدق العرض الأميركي والرد الإيراني، وقد ذكرت وسائل إعلام إيرانية، أنّه سلّم رسمياً عبر الوسيط الباكستاني، وفي الوقت نفسه يلاحظ أنّ القناة التركية تنشط في محاولة لتقريب وجهات النظر حول القضايا الخلافية العالقة، التي تتمحور حول مسائل رئيسية؛ الكميات المخصبة من اليورانيوم، وعملية تخصيب اليورانيوم والبرنامج الصاروخي الإيراني، بصورة رئيسية.
مضيق هرمز هو ورقة ضغط وتفاوض إيرانية راهنة أكثر مما هو مسألة خلاف استراتيجي بين الطرفين، فبالنسبة لإيران قد يكون الورقة الأكثر ربحاً، وحصار الموانىء الإيرانية من قبل القوات الأميركية هو الآخر عملية نزع لهذه الورقة من يد إيران، والهدف منها الضغط على إيران لتقديم التنازلات المطلوبة أميركياً خلال الأيام القادمة، وقبل نهاية مدة الأسبوعين.
في ضوء هذه التطورات الجديدة في اللعبة الإيرانية- الأميركية؛ فإنّنا غالباً أمام احتمالات رئيسية؛ الأول هو عقد جولة مفاوضات جديدة، وتمكّن الوسطاء من تقريب وجهات النظر وقطع مسافة أكبر، وربما تمديد وقف إطلاق النار وصولاً إلى نتائج أفضل، يعزز هذا الاحتمال أنّه من الواضح من سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصريحات نائبه دي. فانس، بعد عودته من إسلام آباد، أنّ واشنطن باتت لا تفضل خيار استئناف الحرب؛ لأنّ المرحلة القادمة ستكون أكثر قسوة وتدميراً، وفي الوقت الذي أثبت فيه النظام الإيراني صلابته الداخلية وتماسكه، فإنّ الهدف سيصبح أكثر غموضاً ومشكوكاً أكثر فيه، بمعنى تغيير النظام أو سلوكه، بعد ذلك الثمن الباهظ.
يقود ذلك إلى احتمال آخر ويتمثل في عدم نجاح جهود عقد جولة جديدة أو الوصول إلى تفاهمات وانتهاء مدة الأسبوعين؛ فسيكون أمام الرئيس الأميركي ترامب خياران رئيسيان؛ الأول العودة إلى الحرب، لكن هذه المرة بوتيرة أعلى وربما عمليات برية جراحية وضرب البنية التحتية ومحطات الكهرباء، وقد ترد طهران بقوة على إسرائيل، لكن بصورة أكثر خطورة على الخليج، وهو ما قد يراهن عليه ترامب بأن يضعف الموقف الإيراني ويجبر طهران على التنازل بصورة أكبر.
أما الاحتمال الثاني فيتمثّل في الانتقال إلى سيناريو الضغوط الاقتصادية واستمرار الحصار البحري واستنزاف إيران في هذا المجال، لكن مثل هذا السيناريو ربما يؤثر على الاقتصاد الإيراني ويضعفه ويهزّ الثقة السيكولوجية التي حاول الحرس الثوري ترويجها بعد الحرب، لكن مثل هذا الخيار لن يكون أكثر قوة وتأثيراً من سيناريو الحرب، وعلى الأرجح أن القيادة الإيرانية ستصر على موقفها، فضلاً عن التداعيات الكبيرة على الاقتصاد العالمي، بخاصة على دول آسيا وفي مقدمتها الصين واليابان، التي تعتمد على الطاقة في الخليج، بمعنى أنّ هذا الاحتمال لن يكون – غالباً – عاملاً حاسماً وبعيد المدى في نتائج الصراع.
ثمّة عوامل ومتغيرات مهمة في تأطير التوقعات والاحتمالات المتعلقة بسلوك كل طرف من الأطراف، استناداً إلى منطق المصالح القومية وموازين القوى والأجندات الاستراتيجية والتكتيكات المتبعة من أطراف الصراع، الحرس الثوري وترامب وبنيامين نتنياهو، وإذ كان «الخيار العقلاني» يدفع بكل من ترامب والحرس الثوري إلى الوصول إلى صفقة سياسية تمكّن كلاً منهما لترويج سردية الانتصار في الداخل والخارج، باستثناء نتنياهو الذي لا يزال يرى مصلحته في جولة جديدة من الحرب تقضي بصورة أكبر على قدرات إيران الصاروخية والعلمية وتدمير جزء كبير من البنية التحتية.
المفارقة أنّ العامل غير المتحكم فيه والذي يثير حالة أكبر من عدم اليقين هو ما أصبح يعرف بسيكولوجيا ترامب، وهو العامل الذي رجّح قرار شنّ الحرب على إيران، في البداية رغم شكوك وتشكيك فريق معتبر من حوله والمؤسسات بنجاعة الخطة والأهداف، وهو العامل نفسه – أيضاً- الذي دفع به إلى قرار وقف إطلاق النار، بالرغم من فرق موازين القوى الكبير بين الطرفين، وهو العامل الذي يجعل أقرب المقربين منه غير قادر على التنبؤ بقراراته التي لا تستند – كما هو معتاد- على الخلاصات والتوصيات المؤسسية بالضرورة.
الدستور