السلط تستنهض ذاكرتها
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
28-02-2026 01:15 PM
* نداءُ الوفاء لبيوتها التراثية / حملة استعادة النضارة (4)
لاشك بأن توفير القدر اللازم من الخطط والبرامج المعنية بالرعاية الاحترافية والعناية الممنهجة لأبنية السلط التراثية ، بغية تأمين الحماية لكينونتها العريقة ، والحفاظ على ديمومة عناصرها وثبات هيئتها ، وبذل مايمكن من جهد لاستعادة نضارتها واشراقتها ، وتأمين مايحقق نظافتها وتطهيرها من المخلفات الشوائب ، لهو من أهم الممارسات التي يتوجب تعزيزها وإرساء قواعدها ، والتعجيل في وضعها على سدة الأولويات لدى مختلف الجهات ذات العلاقة بصفاتها العامة والخاصة والتطوعية عبر إطلاق "حملة استعادة النضارة" أملا في نفض الغبار المتراكم عن كل ركن تحتضنه تلك البيوت التي تروي تاريخ مدينة السلط والوطن
كما ويأتي إطلاق الحملة بهذا العنوان كاستجابة للدور المحوري الذي تؤديه الأبنية التراثية الحجرية الصفراء (باعتبارها جزءا أصيلا من شخصية المدينة وتكوينها ، وعنصرا مكملا للمنظومة السياحية والخدمية فيها) ، ما يجعلها لاعبا رئيسيا في تعزيز مستوى ونوعية وشخصية الحالة الاستثمارية السياحية في السلط ، الامر الذي سيمنح الزائر لجنبات وازقة واحياء وشوارع وأدراج وساحات وأسواق ودور العبادة في المدينة ممارسة ذهنية متميزة وتجربةً بصرية غنية ، ستتكلل حيثياتها بالنجاح والرضا والايجاب عندما لا تشوب تلك الممارسة والتجربة أية آثار للإهمال أو التجاهل ولا تعتريها أية علامات للتلوث أو الاتساخ ، فالزائر الذي سيقصد السلط سيبحث عن أصالةٍ نقية ، وعن إرث معماري عريق بني من حجارة صفراء تتمتع واجهاتها بالاشراق والصفاء ، وتنطق ألوان أبوابها وشبابيكها بالزهو والجمال والنقاء ، وتمتاز فضاءاتها الداخلية ومكوناتها الخارجية بالنظافة والترتيب ، وتختال مناظرها الجمالية وغطاؤها النباتي بالتنسيق والابداع
فالزائر لمدينة السلط لن يكترث في جولته الميدانية الإطلاع على بيوت تراثية تكابد من صروف الدهر والنسيان ، وتئن تحت وطأة الإهمال واللامبالاة ، وتعاني من حالة الجمود والركود والخواء الظاهر للعيان ، كما أنه لن يهتم في تجربته السياحية برؤية جدرانٍ قاتمة ومتهالكة يكتنفها البرود ويغلفها السواد والاكتئاب ، وتتراكم بين جنباتها وفي محيطها مختلف انواع الفضلات والمخلفات ، وشتى صنوف الحشرات والقوارض ، وتتخلل فضاءاتها ممارسات وسلوكيات لا حصر لها من الانتهاكات والتجاوزات وإساءة الاستعمال
إن صون المقدرات الكامنة والمخزون التراثي في مدينة بمكانة السلط ، ليس بمسؤولية عابرة تلقى على عاتق الجهات المعنية فحسب ، بل هي التزام ووفاء يقع على كاهل أهلها ومحبيها وساكنيها ، فالسلط ليست مجرد مدينة تقليدية ولا تجمعا سكانيا هامشيا ، بل هي كيان حضاري تاريخي متواتر يتمتع بالرقي والتقدم ، ولذلك فإن المحافظة على مقدرات ذلك الكيان وحماية مخزونه التراثي من كل مايهدده ويعرضه للخطر ، سيبدأ باتخاذ تدابير احترازية مدروسة ومتأنية ، سيكون أعمقها أثراً وأفضلها نتيجة هو إبقاء البيوت التراثية ومحيطها نظيفة ومرتبة وبأبهى حلة ممكنة
فلنجعل من حملة "استعادة النضارة" تظاهرة حب واعتزاز ، ورسالة انتماء وحسن نوايا تجاه المدينة ، لنؤكد عبر اطلاقها بأن السلط قادرة على حماية ذاكرتها في صدور وعقول أهلها ومحبيها ، وأنها تستطيع الحفاظ على مقدراتها ومخزونها التراثي بتظافر جهود الغيورين عليها وتضامنهم وتعاضد سواعدهم
وللحديث بقية