الحرب الحالية وأمن التزود بالطاقة
د. م. محمد الدباس
07-03-2026 12:10 PM
في ظل الحرب الدائرة رحاها بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى وتعطل بعض إمدادات الغاز في شرق المتوسط، تعود قضية أمن الطاقة في الأردن إلى الواجهة باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الاقتصادي. فالأزمات الكبرى في قطاع الطاقة لا تُدار بالآليات التقليدية، بل تتحول إلى ما يشبه (إدارة الطوارئ) الوطنية، حيث تصبح قرارات الوقود والكهرباء جزءً مباشراً من منظومة الأمن الوطني.
في هذا السياق، تتقاطع أفضل الممارسات العالمية في إدارة أزمات الطاقة مع توقف إمدادات الغاز من شرق المتوسط، مما يضع الأردن أمام تحدٍ معقد، في ظل اعتماد منظومة توليد الكهرباء في المملكة بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي. ويجعل أي انقطاع في الإمدادات عاملاً مباشراً في الضغط على منظومة الكهرباء.
التجارب الدولية في إدارة أزمات الطاقة تُظهر أن التعامل مع مثل هذه الظروف لا يقوم على إجراء واحد، بل على منظومة متكاملة تبدأ بما يلي:-
1- الإدارة الجادة للمخزون الاستراتيجي من الوقود. ففي معظم دول العالم يُعد هذا المخزون خط (الدفاع الأول) في مواجهة الأزمات، ولذلك تحرص الحكومات على إبقائه قريباً من مستوى الإمتلاء الكامل، مع استخدامه بشكل تدريجي ومدروس بالتوازي مع العمل على إعادة تعبئته من خلال المشتريات من السوق العالمية.
ولا يقتصر مفهوم المخزون الاستراتيجي في هذه الحالات على (الخزانات الحكومية) فقط، بل يشمل أيضاً (المخزون التجاري) لدى شركات التسويق ومحطات الوقود. ففي كثير من الدول يُطلب من هذه الشركات الحفاظ على مستويات مرتفعة من المخزون قد تصل إلى 80 أو 90 في المئة من سعتها التخزينية، بحيث يتحول هذا المخزون إلى جزء من (منظومة الإحتياطي الوطني) في حالات الطوارئ. وقد كانت مثل هذه الإجراءات مطبقة في أزمات دولية متعددة.
2- إدارة الطلب على الطاقة وهي من الأدوات الأساسية التي تعتمدها الدول خلال الأزمات.
فالدول التي تواجه نقصاً في الوقود لا تكتفي بالبحث عن مصادر بديلة، بل تعمل في الوقت نفسه على (تقليل) الاستهلاك لإطالة عمر المخزون المتاح. وتشمل هذه الإجراءات عادة إطلاق برامج وطنية (لترشيد) استهلاك الكهرباء، وخفض استهلاك المؤسسات الحكومية، وتقليل الإنارة العامة غير الضرورية، إضافة إلى تقليص إستهلاك الصناعات الأكثر استهلاكاً للطاقة عند الضرورة.
وفي بعض الحالات قد تلجأ الحكومات إلى إجراءات أكثر جدّية، مثل (تقليل) ساعات العمل في المؤسسات الرسمية أو التحول إلى العمل والتعليم عن بُعد، أو حتى تطبيق (القطع المبرمج) للكهرباء بشكل مؤقت ومنظم. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات قد تبدو صعبة، إلا أنها تُعد من الأدوات المعروفة عالمياً لإدارة الأزمات عندما تكون الإمدادات غير مستقرة أو معرضة لمخاطر جيوسياسية.
3- إدارة الأزمات من خلال تأمين بدائل للإمدادات. ففي ظل اضطرابات سوق الغاز العالمية، تلجأ الدول عادة إلى شراء شحنات فورية من الغاز المسال من الأسواق الدولية رغم ارتفاع كلفتها، وذلك لضمان استمرار تشغيل محطات الكهرباء. كما يمكن تشغيل بعض المحطات باستخدام وقود بديل مثل: الديزل أو الفيول الثقيل، إلا أن ذلك يرفع كلفة التوليد بشكل كبير.
وفي حالتنا الأردنية، تبقى الإستفادة من المصادر المحلية عاملاً مهماً لتخفيف الضغط على منظومة الطاقة. فمحطات (الصخر الزيتي) يمكن أن توفر جزءاً من التوليد كما أن الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يمكن أن تساهم في تغطية جزء من الطلب خلال ساعات النهار، وهو ما يخفف الضغط على محطات الكهرباء العاملة بالغاز.
4- الشفافية في إدارة الأزمة كمسألة استراتيجية تمس الواقع الإقتصادي والإجتماعي. فالدول التي تنجح في تجاوز مثل هذه الظروف هي تلك التي تتعامل مع مواطنيها بوضوح، وتعلن خطط الطوارئ بشكل صريح، وتقدم معلومات دورية حول وضع الإمدادات والمخزون وإجراءاتها المتخذة.
خلاصة القول؛ فإن القاعدة الأساسية التي تحكم إدارة أي أزمة طاقة واضحة تكمن في: إطالة عمر المخزون المتاح، وتقليل الاستهلاك قدر الإمكان، وتأمين الإمدادات البديلة، والشفافية في إدارة الطاقة قبل أن تتحول الى أزمة حقيقية في منظومة التزود بالطاقة.