نكسة حزيران .. من الانكسار إلى الصراع المستدام
فيصل تايه
05-06-2026 01:13 PM
في الخامس من حزيران، لا تستعيد الذاكرة السياسية العربية مجرد حرب خاطفة انطوت صفحتها العسكرية، بل تستحضر نظاماً بنيوياً ومؤسسياً كاملاً ولد من رحم تلك اللحظة ، فما يصطلح على تسميته "بنكسة ١٩٦٧" لم يكن مجرد انكسار عسكري في حرب الأيام الستة، بل كان تصدعاً جيواستراتيجياً شاملاً في الجيومورفولوجيا السياسية للمنطقة، أعاد صياغة موازين الردع، وكرس واقعاً قسرياً ما زال يحكم الحاضر: احتلال بنيوي مستدام، وقضية معطلة، وديناميكية (إدارة الصراع بدلاً من حله) كاستراتيجية استعمارية مصممة لإدارة الأزمات لا برسم الحلول التاريخية.
اليوم، ونحن على أعتاب عقود طويلة ممتدة، ندرك أن النكسة لم تصبح يوماً جزءاً من الماضي، بل تحوّلت إلى "مأسسة سياسية ومستدامة للإخضاع" ، فقد تبدلت أدوات القوة، وتطورت تكنولوجيا السيطرة غير المباشرة، لكن الجوهر الاستراتيجي بقي ثابتاً برسم التغيير القسري؛ فالأرض الفلسطينية تخضع لعمليات "قضم ممنهج" عبر سياسة الهندسة الديمغرافية، والتوسع الاستيطاني الممنهج لتقويض مقومات الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.
في المقابل، يُدفع بالعمق الفلسطيني ليعيش داخل "سجن ديمغرافي ممزق" بفعل الجدار والحصار، وضمن خطة إسرائيلية متعمدة تهدف إلى تدجين الوعي عبر عنصر الزمن، والتحكم في وتيرة الانفجارات المتكررة تحت سقف العقيدة الأمنية القائمة على إبقاء المجتمع الفلسطيني تحت خط الانفجار مع منع أي أفق تسوية حقيقي، وتحويل فكرة "عملية السلام" الخالية من المضمون إلى مجرد أداة تكتيكية لإدارة الوقت وتثبيت الأمر الواقع.
في قلب هذا المشهد الجيوسياسي المضطرب والمعقد، يبرز الارتكاز الاستراتيجي للأردن كحجر الزاوية الجيوسياسي، وأحد الثوابت القليلة التي لم تنحن للرياح الإقليمية المتحولة أو تتبدل في خطابها التحالفات ، فلم يكن دفاع الجيش العربي الأردني الباسل وتضحياته الجسيمة في معارك القدس والضفة الغربية جولة عسكرية تقليدية في ميزان قوى مختل، بل كان التأسيس لعقيدة سياسية ودبلوماسية ممتدة صاغ الأردن من خلالها دوره التاريخي والوجودي لحماية القضية وتثبيت الحق.
فالأردن، الذي جابه تداعيات تغير الجغرافيا بعد الحرب، لم يغادر معادلة الصراع بل ثبت حضوراً سياسياً وقانونياً شرعياً راسخاً عبر الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية ، فهذه الوصاية لم تكن يوماً بروتوكولاً إدارياً أو إجراءً اعتيادياً ، بل هي أداة كبح جيوسياسية مستمرة، وخط الدفاع القانوني والسياسي الأول الذي يمنح الفلسطينيين عمقاً عربياً ودولياً يمنع تصفية القضية، ويقف كالجدار الحصين أمام مشاريع الأسرلة والتهويد، ومحاولات فرض وقائع جديدة تمس هوية المدينة ومرجعيتها التاريخية.
ومنذ عهد جلالة الملك الحسين بن طلال -طيب الله ثراه- وصولاً إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، بقي الموقف الأردني حازماً وصارماً في منطقة تتسارع متغيراتها: القدس والمقدسات ليست ملفاً تفاوضياً تكتيكياً يُعرض للمساومة أو المقايضة، بل هي قضية سيادة عميقة، وهوية وجودية ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأردني والعربي، وبمستقبل الدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة على خطوط الرابع من حزيران.
إن الخطورة الكامنة في إرث ١٩٦٧ تتجلى اليوم بوضوح صارخ من غزة المحاصرة إلى الضفة الغربية المستباحة، حيث تتصاعد محاولات تفكيك البنية السياسية والاجتماعية الفلسطينية ، فما لم يتم التعامل مع الجذور العميقة والبنيوية لهذا الاحتلال، فإن المنطقة ستبقى أسيرة نظام أمني متفجر يعيد إنتاج العنف بصور أكثر حدة وتدميراً.
الخامس من حزيران يصبح في نهاية المطاف اختباراً تاريخياً مفتوحاً؛ شهادة صريحة على عقم القوة الهادفة للإخضاع وتدجين الشعوب دون تسوية، وإثباتاً قاطعاً بأن أي طرح للسلام لا يقوم على العدالة والسيادة وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، لن يكون سوى تأجيل مؤقت لانفجار قادم ، فالتاريخ لا يعيد نفسه هنا كذكرى عابرة، بل كحالة سياسية مأزومة مستدامة لا مخرج منها إلا بتفكيك بنية السيطرة، وإنهاء الاحتلال من جذوره.
والله المستعان