هل يحتكم النواب إلى الدستور؟
د. مثقال القرالة
07-03-2026 11:51 AM
إن الدستور الأردني، منذ نشأته، لم يتعامل مع رئاسة مجلس النواب بوصفها امتيازاً دائماً أو موقعاً ثابتاً يُحتفظ به بحكم العادة أو النفوذ، بل جعلها مسؤولية دستورية متجددة يمنحها النواب، بإرادتهم الحرة، لمن يرونه الأقدر على إدارة أعمال المجلس، وضبط إيقاع النقاش تحت قبته، وصون هيبته بوصفه السلطة التشريعية التي تمثل الإرادة الشعبية وتحمل أمانة الرقابة والتشريع معاً. فالرئاسة في جوهرها ليست لقباً، بل تكليف دستوري مشروط بالكفاءة والحياد والقدرة على الالتزام بأحكام الدستور والنظام الداخلي، وهي معايير لا يملك أحد أن يتجاوزها دون أن يضع المؤسسة نفسها أمام اختبار حقيقي. واليوم، يتردد على ألسنة عدد من النواب أنفسهم حديث واضح عن وجود مخالفات تتعلق بإدارة المجلس، سواء فيما يخص تطبيق النظام الداخلي أو الالتزام بروح الدستور الذي ينظم العمل البرلماني ويضبط آلياته. وهذه ليست مسألة إجرائية بسيطة يمكن تجاوزها بالصمت أو المجاملة السياسية، لأن المجلس النيابي في أي دولة دستورية هو الحارس الأول للنص الدستوري، وهو الجهة التي يفترض أن تكون أكثر المؤسسات التزاماً بالقواعد التي تحكم عملها.
فإذا كان هذا الشعور حاضراً بالفعل داخل قبة البرلمان، وإذا كان عدد من النواب يرون أن هناك تجاوزات أو اختلالات في إدارة المجلس، فإن السؤال الذي يطرحه الأردنيون بوضوح وبدون مواربة يصبح سؤالاً مشروعاً: لماذا لا يمارس مجلس النواب حقه الدستوري الكامل بإعادة الاحتكام إلى صندوق الاقتراع داخل المجلس لإجراء انتخابات جديدة لرئاسة المجلس؟ فالدستور لم يمنح هذا الحق عبثاً، بل جعله آلية تصويب ذاتية داخل المؤسسة التشريعية، تضمن أن يبقى الموقع خاضعاً للثقة البرلمانية المستمرة، لا مجرد إجراء شكلي يُحسم مرة واحدة ثم يصبح غير قابل للمراجعة. كما إن العودة إلى صندوق الاقتراع تحت قبة البرلمان ليست إعلان خصومة مع شخص، ولا تصفية حسابات سياسية، بل هي ممارسة طبيعية لحق دستوري أصيل. وهي قبل ذلك رسالة واضحة بأن النص الدستوري ليس مجرد مرجع نظري يُستشهد به في الخطب، بل قاعدة حاكمة يجب أن تُطبَّق عندما تظهر الحاجة إلى ذلك. فحين يشعر النواب أنفسهم بوجود خلل في إدارة مؤسستهم، يصبح الاحتكام إلى الآليات الدستورية هو الطريق الوحيد الذي يحفظ هيبة المجلس ويعزز ثقة المواطنين به. بل إن خطوة كهذه قد تتحول إلى درس دستوري مهم في الحياة السياسية الأردنية، يثبت أن المؤسسات القوية هي تلك التي تملك الشجاعة لمراجعة نفسها وتصويب أخطائها، وأن الموقع العام ليس ملكاً لصاحبه، بل أمانة مؤقتة مرتبطة بالثقة والالتزام بالقانون. فالمسؤولية في العمل العام لا تُقاس بمدة البقاء في المنصب، بل بمدى القدرة على احترام القواعد التي تحكمه.
وفي تاريخ البرلمانات العريقة، لم تكن إعادة النظر في مواقع القيادة داخل المجلس أمراً استثنائياً أو مدعاة للانقسام، بل كانت في كثير من الأحيان تعبيراً عن حيوية المؤسسة التشريعية وقدرتها على تصحيح مسارها من داخلها. فالمجلس الذي يملك الجرأة على محاسبة نفسه هو مجلس يحترم دوره، ويعرف أن الشرعية لا تُبنى بالتمسك بالمواقع، بل بالالتزام بالمبادئ التي قام عليها النظام الدستوري. إن الدساتير لا تحيا بالنصوص وحدها، بل بالممارسة. فهي تضع القواعد، لكن المؤسسات هي التي تمنحها الحياة عندما تطبقها دون تردد.
وعندما يتردد الحديث داخل مجلس النواب نفسه عن مخالفات للدستور أو للنظام الداخلي، فإن تجاهل هذه المسألة لا يحمي المؤسسة، بل يضعفها، لأن قوة أي مؤسسة دستورية تنبع من قدرتها على مراجعة ذاتها وتصويب أخطائها قبل أن يطالبها الآخرون بذلك.
ولعل في هذه اللحظة فرصة حقيقية أمام مجلس النواب الأردني ليقدم نموذجاً في احترام الدستور، بأن يثبت أن النص الدستوري فوق الاعتبارات الشخصية، وأن المواقع العامة ليست حصوناً مغلقة، بل مسؤوليات خاضعة للمساءلة. فحين يُعاد الاحتكام لصندوق الاقتراع داخل المجلس، فإن الرسالة التي تصل إلى الأردنيين ستكون واضحة: أن الدستور في الأردن ليس مجرد وثيقة تُقرأ، بل عقد وطني يُحترم ويُطبَّق. وعندها فقط يمكن للمجلس أن يسجل موقفاً يظل محفوظاً في الذاكرة السياسية الأردنية، موقفاً يقول إن الدولة الدستورية لا تقوم على الأشخاص مهما كانت مواقعهم، بل على سيادة القانون واحترام القواعد التي تنظّم العمل العام. فالدستور، في نهاية المطاف، يجب أن يبقى فوق الجميع: فوق الأشخاص، وفوق المواقع، وفوق كل الاعتبارات الأخرى.