حين يرتدي الخطف ربطة عنق: من جريمة ليلية إلى سياسة نهارية
د. هيفاء ابوغزالة
06-01-2026 02:17 AM
يمكننا اليوم أن نتحدث عن الخطف بوصفه مفهوماً تقاعد مبكراً من معناه القديم، وقرر أن يعيد اختراع نفسه بما يليق بعصر العولمة والبث المباشر.
الخطف، كما عرفناه طويلاً، كان فعلاً يتم في الظل: سيارة بلا لوحات، باب يُغلق بعجلة، صوت مكتوم، وقلق طويل بلا كاميرات. الخاطف شخص، والمخطوف فرد، والهدف غالباً فدية أو ضغط أو انتقام. كانت الجريمة، رغم قسوتها، “متواضعة” في طموحها.
أما اليوم، فيبدو أن الخطف قد حصل على ترقية سياسية.
لم يعد الخاطف بالضرورة فرداً عابراً للحدود، بل قد يكون فكرة، أو قراراً، أو لحظة توازن قوى مختلة. ولم يعد المخطوف طفلاً أو تاجراً، بل رمزاً سيادياً بحجم دولة، يُنتزع من سريره لا تعرف أهي غرفة نوم أم صفحة في سيناريو سينمائي رديء الإخراج. زوجة تستيقظ، أغلال تلمع، طائرة تقلع، وحدود تُمحى كما تُمحى الفواصل في الأخبار العاجلة.
المفارقة الهزلية هنا أن الخطف الجديد يتم في وضح الشرعية المعلبة: لا قناع على الوجه، بل خطاب قانوني؛ لا صمت، بل مؤتمرات صحفية؛ لا فدية، بل “رسائل سياسية”. وكأن العالم يقول: لا تقلقوا، لم نعد نخطف… نحن فقط نعيد التموضع القسري.
تاريخياً، حين كانت دولة تسيطر على دولة، كانت تأخذ رأسها السياسي وتعرضه دليلاً على النصر. كان المشهد فظاً لكنه صريح. اليوم، المشهد أكثر تهذيباً، لكنه أشد التباساً: لا احتلال مُعلن، ولا حرب مكتملة الأركان، فقط عملية “نظيفة”، سريعة، تُغلف بلغة القانون الدولي، وتُسوق كحل مؤقت لمشكلة دائمة.
من هنا، لم يعد الخطف جريمة فقط، بل أصبح أداة سردية في العلاقات الدولية: رسالة بلا بريد، وعقاب بلا محكمة، ونصر بلا حرب. وهو في جوهره انتقال من خطف الجسد إلى خطف المعنى؛ من تقييد اليدين إلى تقييد السيادة.
المهزل في الأمر أن العالم يتظاهر بالدهشة، بينما يتابع المشهد كما يتابع فيلماً معروف النهاية. أما الدبلوماسية، فتقف على مسافة محسوبة، تبتسم ابتسامة باردة، وتقول: “نحن قلقون”، ثم تواصل عدّ المصالح.
هكذا، لم يعد السؤال: من خطف من؟ بل؛ أصبح الخطف سياسة، والدهشة مجرد أداء إعلامي.