نظرية القوة في تغيير النظام الفنزويلي
د. احمد عارف الكفارنة
06-01-2026 02:32 AM
في علم السياسة تعرف القوة على أنها "أحد أهم الغايات التي يمكن تحقيقها دون النظر لشرعية الوسيلة وشكلها أو أخلاقياتها التي من خلالها تنفذ القوة وفي سبيل تحقيق هذه القوة لن يعطي أي اعتبارات المدى شرعية تلك الوسائل ما يضعف المذهب الواقعي .
لتبرز أهمية نظرية القوة ودورها، والملاحظ أن هذا التعريف يعكس فقط وجهة النظر الواقعية في العلاقات الدولية، و يهمش المدارس الاخرى كالليبرالية أو البنائية كما يقوم بتبرير استخدام أي وسيلة لتحقيق القوة دون اعتبار للاخلاق أو الشرعية.
ويبدو ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب قد وجه رسالة من خلال الهجوم على فنزويلا في هذا الاطار من خلال استخدام نظرية القوة لتحقيق المصالح الوطنية للدولة الاقوى الا وهي دولتة, لا بل ان الامر تجاوز حدود فنزوبلا؛ فهي إنذار شديد اللهجة لكل الأنظمة التي تتحدى الهيمنة الأمريكية؛ فواشنطن اليوم لم تعد تكتفي بالعقوبات الاقتصادية أو الضغوط الدبلوماسية، بل انتقلت إلى الحسم الميداني باستخدام القوة وتم الاستغناء عن نظرية القوة الناعمة في العلاقات الدولية ونظرية الفوضى الخلاقة، وهو ما يفتح الباب أمام موجة من الفوضى السياسية التي قد تعصف باستقرار القارة اللاتينية بأكملها لا بل بالعالم اجمع .
إن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بهذه الطريقة الدرامية هو إعلان وفاة الشرعية للمؤسسات الدولية، وبداية لمرحلة يسود فيها منطق القوة فوق القانون أن المنطقة الآن تقف على فوهة بركان، والعالم ينتظر ليرى وماذ سيعمل وماذا سوف تعمل المؤسسات الدولية -وهي لن تعمل شيء- فهل استعادت واشنطن سيطرتها الكونية من خلال نظرية القوة، أم أنها فتحت على نفسها بابا لن يُغلق بسهولة؟؟.
حماية الشرعية هي من صلب عمل الاحزاب السياسية وانظمة دول العالم، الجميع مطالب ان لا يكونوا شهود صمت وزور لما يجري إزاء مثل هذه الإعتداءات التي لا تقل خطورتها عن الجريمة ذاتها، إذ بعتبر ذلك تشجيع على تكرارها وتقويض لما تبقى من منظومة القانون الدولي.
إن حماية قادة الدول واحترام إرادة الشعوب ليست مسألة تضامن سياسي، بل التزام أخلاقي وقانوني يقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، حفاظًا على الإستقرار ومنع انزلاق العالم نحو الاخلال بالشرعية الدولية .
إن لعملية العسكرية الأمريكية على فنزويلا تنتهك عشرات المواد في القانون الدولي، كما أن اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته بغض النظر عن الادعاءات الامريكية بتهريب المخدرات ناهيك عن النظام القمعي لمادرورو والذي ادى الى هجرة 8 ملايين فنزويلي الى مختلف دول العالم وهي اكبر هجرة من دولة غنية مثل فنزويلا الى دول اخرى ومنها الولايات المتحدة، وناهيك عن حياة الفقر التي يعيشها المواطن الفنزويلي رغم كل ذلك فإن الهجوم على فنزوبلا يشكل جريمة مركبة تجمع العدوان على دولة ذات سيادة، وانتهاك حصانة رئيس دولة، والخطف الدولي، وجريمة حرب.
إن هذة الانتهاكات القانونية واضحة حيث أن المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي، والمادة 8 مكرر من نظام روما تعرّف جريمة العدوان، وقرارات الجمعية العامة التي حددت أفعال العدوان بما فيها غزو الأراضي والقصف العسكري.
إن طريقة الاعتقال تنتهك مبدأ الحصانة المطلقة لرؤساء الدول الذي أكدته محكمة العدل الدولية، كما أن الحصانة السيادية أقوى من الحصانة الدبلوماسية، وأنه لا يوجد اي نص قانوني يبرر ما فعلته الولايات المتحدة، وأنه لا يمكن القيام بذلك إلا من خلال المحاكم الدولية وبآليات محددة وليس القضاء الوطني الأجنبي.
إن العملية الأمريكية ليست أمنية محدودة، بل هي حرب احتلال شاملة تستهدف ثروات فنزويلا حيث ان فنزويلا تسيطر على خمس ثروات العالم النفطية ووفقاً للمصادر الامريكية يتركز الهدف حول السيطرة على خيرات فنزويلا الهائلة (خاصة النفط والذهب)، وإنهاء نفوذ التحالفات المعادية للولايات المتحدة، بينما ترى فنزويلا وحلفاؤها أن الهدف هو سرقة ثروات البلاد وتركيعها سياسياً تحت ذريعة حقوق الإنسان والمخدرات .
إن الصمت الدولي على هذه الجريمة يعادل التصديق عليها، ويشرعن نظرية استخدام القوة لفرض الهيمنة على الدول الاخرى تحت أي ذريعة كانت..