الغذاء والدواء والمواصفات والمقاييس
د. صالح سليم الحموري
06-01-2026 11:43 AM
في الدول التي تحترم صحة مواطنيها وتبني اقتصادها على قواعد صلبة، لا تُعامل المؤسسات الرقابية كدوائر خدماتية، بل كخط دفاع أول عن المجتمع والسوق معًا. وفي الأردن تتقدم مؤسستان هذا المشهد بوصفهما ركائز رئيسية للثقة: المؤسسة العامة للغذاء والدواء، ومؤسسة المواصفات والمقاييس. فهما مؤسستان سياديتان تمسان حياة الناس يوميًا، وتؤثران في سمعة الدولة واستقرار السوق وعدالة المنافسة وقدرة الاقتصاد على التصدير والنمو.
وعليه، فإن الحديث عن ضعف أو نقص في قدرتهما لا يجوز أن يُختزل في خبر إداري. وعندما يقال إن هناك نقصًا في الكوادر يصل إلى نحو 200 موظف، فذلك جرس إنذار يمس أمن الغذاء والدواء، ويهدد منظومة الرقابة التي تقوم عليها سلامة المواطن وثقة المستثمر.
فالرقابة ليست شعارًا؛ إنها إجراءات ومختبرات وكفاءات وقدرة على الاستجابة. وإذا اختل أحد هذه العناصر، انتقلت الفجوة سريعًا من الورق إلى واقع الناس والأسواق.
تمثل المؤسسة العامة للغذاء والدواء الحارس المباشر لصحة المجتمع. فهي تتحقق من أن ما يدخل إلى البلاد أو يُنتج فيها أو يُخزن ويُوزع ويُباع يطابق الشروط الصحية والعلمية. وتشمل مسؤوليتها التفتيش على المنشآت الغذائية والدوائية والمستودعات والصيدليات، وفحص العينات مخبريًا للكشف عن التلوث أو الغش، ومتابعة الشكاوى والبلاغات، واتخاذ إجراءات السحب والتحذير عند الضرورة. وبكفاءة هذه المنظومة يطمئن المواطن لما يأكل ويشرب ويتداوى به، وبضعفها تتسع احتمالات الضرر قبل أن يُكتشف.
وفي الجانب المكمل، تؤدي مؤسسة المواصفات والمقاييس دور الحارس التقني للسوق. فسلامة المجتمع لا تتوقف عند الغذاء والدواء، بل تشمل جودة السلع الصناعية والتجارية ودقة القياس ومنع الغش الذي يضرب العدالة الاقتصادية ويستنزف الثقة. وتقوم المؤسسة بوضع المواصفات القياسية الأردنية وتحديثها بما ينسجم مع المعايير الدولية، والتأكد من سلامة منتجات حساسة في حياة الأسرة مثل الأجهزة الكهربائية ولعب الأطفال ومواد البناء، إضافة إلى مراقبة الموازين والمضخات وأدوات القياس في الأسواق ومحطات الوقود.
وتتعاظم فاعلية الرقابة عندما يعمل الدوران بتكامل: الغذاء والدواء يركز على السلامة الصحية المباشرة، والمواصفات والمقاييس على الجودة الفنية ودقة القياس وحماية السوق من الرداءة والغش. وعندما تُطبق المعايير بصرامة، تتشكل شبكة حماية تقلل المخاطر وترفع جودة المنتجات وتثبت الثقة العامة.
كما أن أثر المؤسستين اقتصادي بقدر ما هو اجتماعي: بيئة رقابية واضحة ومطبقة تعزز ثقة المستثمرين، وتدعم التصدير والمنافسة، وتحد من خسائر الغش والسلع الرديئة، وتحفظ سمعة الأردن كدولة ملتزمة بالاشتراطات الصحية والقياسية. لذلك يصبح نقص الكوادر خطرًا مباشرًا: تفتيش أقل يعني مخالفات أكثر، وتحليل أبطأ يعني استجابة أبطأ، ومتابعة أضعف تعني تراجعًا في الثقة، ورقابة أقل على القياس تعني اتساع الغش.
ومع ازدياد حركة الاستيراد وتنوع مصادر السلع، وتعقّد سلاسل الإمداد، تتضاعف المسؤولية الرقابية وتتسع مساحة المخاطر. لهذا يصبح من الضروري تعزيز الموارد البشرية، وتحديث المختبرات، وتسريع إجراءات التفتيش والرقمنة، وتوسيع برامج التدريب والتأهيل، وتطوير قنوات تلقي البلاغات وتحليلها، وإصدار تقارير دورية أكثر شفافية. فالدعم المؤسسي هنا يحمي صحة الناس ويصون الاقتصاد ويمنع كلفة الأزمات قبل وقوعها.
والمطلوب قرار وطني عاجل يضع هذه المؤسسات في أولوية الدولة اليوم.