عندما تقع الدول في أسر الفوضى الخلّاقة
د. بركات النمر العبادي
06-01-2026 11:52 AM
* قراءة فلسفية محافظة في تداعيات الربيع العربي
لم تدخل كثير من الدول العربية دوّامة الانهيار فجأة ، ولم تسقط دفعة واحدة ، بل جرى استدراجها تدريجيًا إلى ما يمكن تسميته بـ أسر الفوضى الخلّاقة ؛ ذلك النمط من التفكيك المنهجي الذي لا يطيح بالأنظمة فقط ، بل يفتك ببنية الدولة ذاتها ، ويحوّل المجتمع من كيان تاريخي متماسك إلى ساحة صراع مفتوحة على الاحتمالات الأسوأ.
في هذا السياق، لا يمكن فهم ما عُرف بـ “الربيع العربي” بوصفه حدثًا عفويًا خالصًا أو ثورة مكتملة الشروط ، بل بوصفه لحظة التقاء بين غضب اجتماعي حقيقي ومشروع دولي جاهز لاستثماره ، فالاحتقان كان واقعيًا ، والفساد والاستبداد كانا حاضرين ، غير أن تحويل هذا الغضب إلى مسار هدّام للدولة لم يكن قدرًا محتومًا ، بل نتيجة تدخلات واعية أعادت توجيه المسار من الإصلاح إلى الانهيار.
من منظور فلسفي سياسي ، تكمن خطورة الفوضى الخلّاقة في أنها تفصل بين الدولة والنظام ، وتدفع الشعوب إلى الاعتقاد بأن إسقاط النظام يعني بالضرورة خلاص الدولة ، لكن التجربة أثبتت أن الدولة ، حين تُفكَّك مؤسساتها ، لا تعود قادرة على حماية المجتمع من ذاته ، فيتحول الصراع من مواجهة سياسية إلى صراع هوياتي ، طائفي ، قبلي ، أو جهوي ، وهنا تفقد السياسة معناها ، ويحل محلها العنف بوصفه لغة التواصل الوحيدة.
لقد وقعت دول عربية عدة في هذا الفخ : أُضعفت الجيوش ، شُوّهت الأجهزة الإدارية ، أُفرغ القانون من هيبته ، وتحوّلت السيادة إلى مفهوم تفاوضي ، ولم يكن ذلك نتيجة فشل داخلي فقط ، بل نتاج خطاب دولي مُضلِّل قدّم الفوضى باعتبارها مخاض الحرية ، والانهيار باعتباره ثمنًا لا بد منه للديمقراطية ، وهكذا جرى تطبيع الخراب ، وتحويل الألم الجمعي إلى مرحلة “طبيعية” في مسار التحول.
الربيع العربي ، في أحد وجوهه العميقة ، مثّل لحظة اختطاف للزمن السياسي العربي ، فبدل أن يكون انتقالًا مدروسًا نحو الإصلاح ، أصبح قفزًا في المجهول ، حيث طُلب من مجتمعات لم تُستكمل فيها شروط الدولة الحديثة أن تعيش تجربة ما بعد الدولة ، وفي هذا الفراغ ، تمددت القوى الإقليمية والدولية ، وتحوّلت الساحات العربية إلى مسارح تصفية حسابات ، لا إلى فضاءات تحرر.
أما على المستوى الفلسفي ، فإن الفوضى الخلّاقة تقوم على تصورٍ أداتي للإنسان والمجتمع ؛ إذ تُعامل الشعوب كوسائل لا كغايات ، وكمواد خام لإعادة الهندسة السياسية ، لا قيمة للاستقرار، ولا اعتبار للتراكم التاريخي ، ولا احترام لفكرة الدولة بوصفها عقدًا أخلاقيًا قبل أن تكون جهازًا إداريًا. وهذا ما يجعل الفوضى الخلّاقة نقيضًا لأي مشروع نهضوي حقيقي.
ويرى الفكر المحافظ العربي أن أخطر ما نتج عن هذه المرحلة هو تآكل فكرة الدولة في الوعي الجمعي. فحين يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات ، ويتحول الولاء من الدولة إلى ما دونها ، يصبح استعادة الاستقرار مهمة شاقة ، حتى بعد توقف الصراع ، فالخراب النفسي والفكري يسبق الخراب المادي ، وهو الأشد دوامًا.
إن الدول التي وقعت في أسر الفوضى الخلّاقة لم تُهزم عسكريًا بقدر ما انكسرت مفاهيميًا، جرى إقناعها بأن الفوضى حرية ، وأن السيادة عبء ، وأن الدولة عائق أمام التقدم ، وحين تُقلب المعاني بهذا الشكل ، يصبح الدفاع عن الاستقرار تهمة ، والدعوة إلى الإصلاح المتدرج خيانة ، وتُختزل السياسة في ثنائية زائفة : إما الثورة الشاملة أو القمع المطلق.
لا يمكن الخروج من أسر الفوضى الخلّاقة دون إعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها شرطًا للحرية لا نقيضًا لها ، ودون استعادة السياسة من قبضة الشعارات العابرة للحدود ، وإعادتها إلى سياقها الوطني والتاريخي ، فالنهضة لا تولد من الفوضى ، بل من النظام العادل ، ولا تنبت في الفراغ، بل في أرضٍ لها جذور ، وما لم يُعاد بناء الوعي قبل بناء المؤسسات ، ستبقى الفوضى ، مهما تغيّرت أسماؤها ، أداة لإدامة الضعف لا طريقًا للخلاص.
حمى الله الاردن سددعلى طريق الحق خطاه
من ادبيات حزب المحافظين الاردني المنشورة