عمّان تحتاج إلى عدالة عمرانية… لا إلى اشتراطات أكثر
المشكلة ليست في التشريعات… بل في الفلسفة التي تعكسها التشريعات
على مدى عقود، جرى التعامل مع التخطيط العمراني بوصفه مسألة تقنية صِرفة، تقوم على نسب البناء، والارتفاعات، والارتدادات، وتُدار عبر جداول وأرقام، ومع كل تعديلٍ تنظيمي، كان الاعتقاد السائد أننا نُحسّن الأداء ونُحكم السيطرة، فيما كانت المدينة — بهدوءٍ مؤلم — تفقد توازنها الانساني تدريجيًا، لم تكن المشكلة يومًا في نقص القوانين أو غياب الأدوات، بل في الفلسفة الجامدة التي تُديرها، وفي منطقٍ أنّ المدينة قطع اراضي تعامل كجزرٍ منفصلة، لا كنسيجٍ حضريٍّ واحدٍ مترابط.
الكثافة ليست العلّة… بل موضعها الازدحام المروري، وضغط البنية التحتية، وتآكل المساحات الخضراء، ومشكلات تصريف مياه الأمطار؛ كلّها لا تنتج عن «كثافةٍ زائدة»، بل عن اخطاء توزيع الكثافة العمرانية.
نحن نبني تقريبًا الكمية نفسها، لكن بمنطق القطع المعزولة، حيث يسعى كل مالكٍ إلى تعظيم البناء داخل حدود قطعته، دون اعتبارٍ للموقع الأوسع، أو للأثر التراكمي على المدينة بوصفها وحدةً واحدة.
التخطيط قرار أخلاقي
التخطيط العمراني ليس تنظيمًا تقنيًا فحسب، بل قرارٌ أخلاقي يحدّد كيف نعيش، وكيف نتحرّك، وكم نترك من الفضاء للهواء والضوء، وكيف نخلق مساحاتٍ للتفاعل الإنساني.
العدالة العمرانية لا تتحقّق بتوحيد الاشتراطات أو تشديدها، بل بتوزيعٍ ذكيٍّ للبناء والفراغ، وبحماية الحق في المساحات المشتركة، وبالتعامل مع الأرض بوصفها موردًا حضريًا مشتركًا، لا مجرد سلعة تنظيمية تُدار بالأرقام.
فكرة بسيطة… وأثر عميق
ماذا لو أعدنا التفكير في توزيع حقوق التطوير "التكثيف العمراني" بدل الاكتفاء بتقييدها؟
تقوم الفكرة على تجميع حقوق التطوير لقطعتين متجاورتين على قطعةٍ واحدة، مع تحرير القطعة الثانية بالكامل لتتحوّل إلى حيّزٍ أخضر وخدميٍّ مشترك داخل الموقع التطويري.
لا إلغاء لحقوق، ولا نزع ملكية، ولا زيادة في الكثافة الإجمالية، بل إعادة ترتيبٍ ذكية للعلاقة بين الكتلة والفراغ، بما يخدم الموقع والمدينة معًا.
ماذا نكسب؟
بهذا التحوّل المحدود في المنطق، يمكن تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
تبدأ بمضاعفة المساحات الخضراء الفاعلة إلى أربعة أضعاف، بدل الارتدادات المجزّأة عديمة الوظيفة، وزيادة الأسطح النفّاذة القادرة على استيعاب مياه الأمطار بنسبة 100%، وهي مساحة تعادل أربعة أضعاف الشوارع المسفلتة في المناطق الجديدة.
كما يُسهم ذلك في تحسين المناخ الحضري وجودة الهواء في مواجهة آثار الاحتباس الحراري، ويوفّر مساحات تنفّس قريبة من أماكن السكن، تقلّل الحاجة إلى التنقّل القسري بالمركبات، وصولًا إلى رفع القيمة العقارية دون استنزاف الأرض أو تحميل المدينة أعباء مالية إضافية.
لماذا يفشل النموذج القائم؟
لم تعد الحلول العامّة تضمن تحقيق النتائج، بمعزل عن الخصوصية التي تحتاجها الاجزاء او الاطراف، والتجربة خير برهان.
فالنِّسب الخضراء التي تُسجَّل على الورق، تُستهلك عمليًا في مواقف السيارات داخل الارتدادات والفراغات المتبقية بين الجدران، وغالبًا ما تفقد وظيفتها بعد الحصول على إذن الإشغال، والنتيجة مساحات بلا هوية وبدون وظيفية، ولا أثر حضري حقيقي.
في المقابل، يحوّل تجميع حقوق التطوير الفراغَ إلى بنيةٍ حضريةٍ أساسية، مساحة مستهدفة، ومحمية، ومُشرعنة، وذات معنى وقيمة اجتماعية واضحة.
من حارس النص إلى شريك المدينة
هذا التحوّل لا يحتاج إلى تشريعٍ جديد، ولا إلى موازنات إضافية، بل إلى تغييرٍ في الدور المؤسسي للجهة التنظيمية:
من إدارة القطع إلى إدارة الأحواض والمواقع والنسيج الحضري، ومن حماية النص إلى اختبار أثره.
ويمكن البدء ببرنامجٍ تجريبيٍّ محدود، يُدار بمنطق التطبيق والتقييم، لا بمنطق الإسقاط الشامل أو التعميم القسري.
الخلاصة
عمّان لا تختنق من فائض بناء، بل من فائض قراراتٍ مجزّأة، ولا تعاني نقص الاشتراطات، بل غياب الرؤية التي تُديرها.
فالتعامل مع التخطيط بوصفه إدارة قطعٍ منفصلة، وتطبيق النصوص دون اختبار أثرها الحضري، ليس حيادًا إداريًا، بل قرارٌ مؤسسي كامل الأثر، تتحمّل الجهة التنظيمية مسؤوليته تجاه المدينة وسكّانها.
والتمسّك الحرفي بالنص، حين ينفصل عن أثره، لا يصنع مدينةً منضبطة، بل مدينةً قاسية تُدار بالأرقام.
هذه مسؤولية تقع على عاتق الجهة التنظيمية، والسلطة المحلية، وصانع القرار الحضري، لا على المواطن أو المستثمر.
المطلوب ليس مزيدًا من الاشتراطات، بل تحوّلٌ في الدور، من حارسٍ للنص إلى شريكٍ في بناء المدينة، ومن إدارة الطلبات إلى إدارة النسيج الحضري، وشجاعةٌ مؤسسية لإعادة تعريف التخطيط بوصفه أداةً للعدالة وجودة الحياة.
فالتخطيط مسؤولية تُحاسَب، لا إجراء يُنجَز؛
ومن لا يختبر نماذج أكثر عدالة وكفاءة، لا يحمي الاستقرار، بل يؤجّل كلفة اختناقه.