لا يقنعني الشاعر الرقيق نزار قباني في عنوان ديوانه الشهير "أحبك أحبك والبقية تأتي"؛ لأن الاحترام أهم وأعظم من الحب نفسه وقبله!
نخطئ كثيرا حين نظن أن ما نبحث عنه في البشر كي نستطيع مواصلة الحياة هو الحب، بينما الحقيقة الأعمق أننا نبحث عن الاحترام، لكننا نطلق عليه اسما أكثر رواجا وأخف وقعا؛ فالإنسان لا يقع أسير الآخر لأنه أُغرم به عاطفيا، بل لأنه شعر، في لحظة جوانية صامتة، أن هذا الآخر يحترم وجوده وحضوره ووقته وكيانه. عندها فقط يدرك أنه بلغ منزلة إنسانية عالية؛ منزلة لا يرقى إليها الحب وحده.
والحب، بوصفه شعورا متغيرا، هو إحساس قابل للتزييف، وللتواطؤ، وللقيام بدور الواجب الاجتماعي؛ أما الاحترام فليس ادعاء ولا تمثيلا، ولا استجابة ظرفية، بل هو موقف أخلاقي ثابت. لهذا تبدو أنواع كثيرة مما نسميه حبا ضربا من التفاهة والاستفزاز، ومنها حب الابن العاق لوالديه، أو حب الأب الظالم لأبنائه، وكذلك حب الصديق الذي يكرر كلمات العاطفة لصديقه وفي الوقت نفسه لا يكترث لمشاعره.
في كل هذه الصور، قد لا يغيب الحب، لكن الاحترام يكون قد انهار، ومعه تنهار القيمة الإنسانية للعلاقة.
من هنا يصبح السؤال أكثر حدة: بماذا يعنيني حب شخص لا يحترمني؟! بل ما جدواه؟!
لن تجد كريم نفس يسأل شخصا هل تحبني قبل أن يكون متأكدا أنه يحترمه، لأن الحب والكراهية لا قيمة لهما إن لم يسبقهما الاعتراف بكرامة الطرف الآخر في العلاقة الإنسانية؛ فالاحترام هو الحد الأخلاقي الأدنى الذي يُبنى عليه كل شعور لاحق.
نميل، بدافع العاطفة أو الوهم، إلى قلب المعادلة فنعتقد أننا نحترم شخصا لأننا نحبه، لكن التجربة الإنسانية، حين تُفكك بصدق، تقول العكس: أنا أحبه لأنني احترمته أولا؛ فالاحترام هو إدراك واعٍ لقيمة الآخر، بينما الحب قد يكون اندفاعا، أو اعتيادا، أو خوفا من الوحدة، أو خضوعا لسلطة الواقع والظروف.
ولهذا لا تبدو "الخيانة"، في جوهرها، نقيضا للحب بقدر ما هي إعلان صريح عن موت الاحترام. قد تظل المرأة تحب زوجها وتخونه، لأن الحب شعور متناقض، ومتقلب، وقابل للتجزئة، أما الاحترام فلا يقبل القسمة. حين يسقط، يصبح الحب نفسه مشوّها ومهينا.
الأخطر من ذلك هو ما يسميه الناس حب العشرة والاعتياد والمصير المشترك؛ ذلك الحب الذي يؤديه الإنسان بوصفه دورا واجبا قسريا لا خيارا حرا. هذا ليس حبا، بل استسلام أخلاقي بليد، وذهنية انتهازية تحكمها المصالح والمخاوف والمنافع المتبادلة، وتغلفه لغة رومانسية كاذبة تثير السخرية. في مثل هذه الحالات، يتحول الحب إلى كراهية مسكوت عنها على وجل من المستقبل الغامض، وإلى تواطؤ صامت على إفراغ المشاعر من معناها.
في الفكر الإنساني الحديث، يُنظر إلى الاحترام بوصفه فعلًا أخلاقيا Moral Agency أي قدرة الإنسان على اتخاذ موقف قيمي واعٍ تجاه الآخر، ليس لأن الظروف تفرضه عليه، بل لأن الكرامة الإنسانية تستوجب ذلك. وبهذا المعنى، يكون الاحترام أقدس من الحب؛ لأنه لا يطلب مقابلا، ولا يبرر نفسه، ولا يتغير.
بعد كل هذا، يصبح الحديث عن الحب دون الاحترام ضربا من المشاعر المضطربة التي تضر ولا تنفع أي إنسان يحترم ذاته.
احترمني أولا، ثم حدّثني بعد ذلك عن الحب، وكل حب دون احترام هو اسم تجميلي لفراغ أخلاقي عميق!