السياسة الاقتصادية كما يراها الناس: تعثّر في الإدارة قبل أزمة الموارد
د. حمد الكساسبة
06-01-2026 05:59 PM
لم يعد الحديث عن الاقتصاد شأنًا نظريًا أو محصورًا في الأرقام والتقارير، بل أصبح واقعًا يعيشه الناس يوميًا. المواطن يشعر به في عمله، ودخله، وقدرته على تلبية احتياجاته الأساسية. البطالة تتزايد، وارتفعت بشكل مقلق، خاصة بين الشباب، فيما ترتفع كلفة المعيشة وتتراجع فرص العمل. في المقابل، يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن خطط لا يلمس الناس أثرها بوضوح، ما خلق فجوة واضحة بين الكلام والواقع.
الأحداث الجوية الأخيرة لم تكن مفاجئة، وكان من الممكن الاستعداد لها بشكل أفضل. ما جرى كشف ضعف الجاهزية وتواضع البنية التحتية، خصوصًا في المحافظات. هذه المشكلة لا تتعلق بالطقس وحده، بل تعكس سنوات من ضعف التخطيط. فالسياسات الاقتصادية والخدمية غالبًا ما تعاملت مع الأزمات بعد وقوعها، بدل الاستعداد لها مسبقًا، ما زاد من حجم الخسائر وأثر مباشرة على حياة المواطنين.
ومن غير الدقيق النظر إلى الوضع الاقتصادي الحالي وكأنه أزمة طارئة أو ظرف عابر. فالسياسات الاقتصادية تشكلت عبر سنوات طويلة، وشاركت في صياغتها حكومات متعاقبة، وكان عدد من أعضاء الحكومة الحالية جزءًا من هذا المسار في مراحل سابقة. هذا يعني أن المسؤولية ليست فردية ولا مرتبطة بحكومة واحدة، بل هي مسؤولية مؤسسية تراكمت مع الوقت، وتحتاج إلى مراجعة جادة في النهج المتبع.
أحد أبرز مظاهر هذا التعثّر يتمثل في غياب الأولويات الواضحة. فالحكومة تتحدث في الوقت نفسه عن تشغيل الشباب، وجذب الاستثمار، وخفض الدين، وتحقيق النمو، من دون تحديد ما هو الأهم أولًا. وعندما تصبح كل القضايا أولوية، تضيع الأولويات، وتتشتت السياسات، ويصعب قياس النتائج أو معرفة ما تحقق فعليًا على أرض الواقع.
كما يُدار الاقتصاد في كثير من الأحيان بأسلوب ردّ الفعل. فالقرارات تأتي بعد تفاقم المشكلات، لا قبلها. تُتخذ إجراءات بعد ارتفاع البطالة، وتُعلن خطوات بعد تراجع الاستثمار، وتصدر تصريحات بعد تصاعد الغضب الشعبي. هذا الأسلوب يكشف ضعفًا في آلية اتخاذ القرار، وغياب التقييم المنتظم، وعدم ربط السياسات بنتائج واضحة يشعر بها الناس.
وتزداد الصورة تعقيدًا بسبب غياب العدالة في توزيع كلفة هذا التعثّر. فالمواطن يتحمّل العبء الأكبر من خلال تراجع دخله، وضعف الخدمات، وقلة فرص العمل، في وقت ارتفع فيه الدين العام إلى مستويات عالية، من دون أن يقابل ذلك تحسن ملموس في مستوى المعيشة. هذا الواقع يضعف الثقة، ويجعل أي حديث عن الإصلاح أقل إقناعًا.
وفي إدارة هذا الواقع، لعب الخطاب الإعلامي دورًا غير مساعد. فقد جرى التركيز على الدفاع عن الأداء وتحسين الصورة، بدل الشرح الصريح والمراجعة الجدية. هذا الأسلوب لم ينجح، لأن الناس تقارن ما يُقال بما تعيشه يوميًا. وعندما يتكرر التناقض بين الخطاب والواقع، تتآكل المصداقية وتتسع فجوة الثقة بين الحكومة والمجتمع.
وفي كثير من الأحيان، يجري تحميل الاضطرابات الإقليمية مسؤولية هذا الوضع. لا شك أن الإقليم يمرّ بظروف صعبة، لكن تحويل هذه الظروف إلى مبرّر دائم يغطّي ضعف الإدارة الداخلية لا يساعد على الحل، بل يؤجّل مواجهة المشكلات الحقيقية، ويمنع تقييم السياسات الاقتصادية بوضوح وموضوعية.
في النهاية، المشكلة ليست في نقص الأفكار أو الموارد، بل في طريقة الإدارة، وغياب الأولويات، وضعف المحاسبة. الحل لا يبدأ بإطلاق خطط جديدة، بل بتغيير أسلوب العمل، وربط القرار بنتائجه، وتحميل المسؤولية لمن يتخذ القرار. من دون هذا التغيير، ستبقى المشكلات قائمة، وستزداد كلفة معالجتها مع مرور الوقت.