الإنسان أولاً .. العمل اللائق بوصفه الاختبار الحقيقي للدولة
أ. د. هاني الضمور
06-01-2026 09:34 PM
حين أطلق جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، عبارته التأسيسية «الإنسان أغلى ما نملك»، لم يكن يضع شعاراً للاستهلاك الخطابي، بل كان يؤسس لعقد سياسي وأخلاقي بين الدولة والمجتمع. هذه العبارة لم تختصر فلسفة حكم فقط، بل رسمت معياراً صريحاً تُقاس به السياسات العامة، وفي مقدمتها سياسات العمل والتشغيل. فالدولة التي تجعل الإنسان أغلى ما تملك، لا يمكن أن تقبل بأن تكون الوظيفة مصدراً للهشاشة، أو أن يتحول العمل من وسيلة للكرامة إلى عبء يومي يهدد الاستقرار النفسي والمعيشي.
هذا المعنى لم يتوقف عند جيل التأسيس، بل استمر وتكرّس في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي شدّد في مناسبات متعددة على أن المواطن هو محور التنمية وغايتها، وأن الاقتصاد ليس أرقاماً مجردة، بل أثر ملموس على حياة الناس. وقد أكد جلالته مراراً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق النمو فقط، بل في عدالة توزيع ثماره، وفي قدرة الدولة على تحويل الفرص الاقتصادية إلى حياة كريمة ومستقرة للمواطنين. من هنا، يصبح العمل اللائق ليس مفهوماً نظرياً أو مطلباً نقابياً، بل الامتحان العملي لمدى صدق هذه الرؤية الملكية.
العمل اللائق، وفق المفهوم العالمي الذي أقرته منظمة العمل الدولية، يعني أن يتمتع الإنسان بفرصة عمل منتجة تحقق له دخلاً عادلاً، وتوفّر له الأمان الوظيفي والحماية الاجتماعية، وبيئة عمل آمنة، واحتراماً لمؤهلاته، وإمكانية حقيقية للتطور المهني، دون تمييز أو استغلال. هذه المعايير ليست ترفاً أخلاقياً، بل أدوات اقتصادية مثبتة، ترتبط مباشرة بالإنتاجية، والاستقرار الاجتماعي، والثقة بين المواطن والدولة.
في السياق الأردني، تبرز فجوة واضحة بين الخطاب والرؤية من جهة، والواقع المعيشي لشريحة واسعة من العاملين من جهة أخرى. فالبطالة المرتفعة، لا سيما بين الشباب وحملة الشهادات، لم تعد أزمة عابرة مرتبطة بدورات اقتصادية، بل تحولت إلى ظاهرة بنيوية. غير أن الأخطر من البطالة نفسها هو انتشار أنماط العمل غير اللائق داخل سوق العمل، حيث يقبل كثيرون بوظائف بدخل لا يواكب كلفة المعيشة، أو بعقود هشة، أو دون ضمان اجتماعي، أو دون أفق مهني واضح. في هذه الحالة، لا يعود العمل مدخلاً للاستقرار، بل يتحول إلى مصدر دائم للقلق وعدم اليقين.
هنا تبرز مفارقة خطيرة تستحق التوقف عندها بجدية. الدولة تعلن أن الإنسان في قلب أولوياتها، لكنها تسمح، بحكم الواقع أو ضعف التنفيذ، بأن يعمل هذا الإنسان في ظروف لا تنسجم مع هذا الإعلان. الاقتصاد يحقق نمواً رقمياً في بعض المؤشرات، لكن الإحساس بالأمان الوظيفي يتراجع. تُخلق وظائف جديدة، لكن كثيراً منها يفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الكرامة والاستدامة. هذه المفارقة لا يمكن التعامل معها بوصفها تفصيلاً فنياً، لأنها تمس جوهر العقد الاجتماعي.
إن العمل غير اللائق لا يهدد الفرد فقط، بل يهدد الاستقرار الوطني على المدى المتوسط والبعيد. العامل غير الآمن أقل إنتاجية، وأكثر عرضة للإحباط، وأضعف ارتباطاً بالمؤسسة وبالدولة. والمجتمع الذي تسوده هشاشة العمل هو مجتمع مهيأ للاحتقان، وفاقد تدريجياً للثقة في جدوى الالتزام والصبر. لذلك، فإن التعامل مع العمل اللائق باعتباره ملفاً اجتماعياً ثانوياً هو خطأ استراتيجي، لأنه في حقيقته قضية سيادة وأمن اقتصادي واجتماعي.
ما يزيد من حساسية هذا الملف أن الخطاب الملكي في الأردن كان دائماً متقدماً على الواقع التنفيذي. فالرؤية واضحة، والرسائل صريحة، لكن التحدي يكمن في ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات تشغيل تضع جودة الوظيفة في صلب القرار، لا عددها فقط. فالدولة التي تؤمن بأن الإنسان أغلى ما تملك، لا تقيس نجاحها بعدد فرص العمل المُعلنة، بل بقدرة هذه الفرص على توفير حياة كريمة ومستقرة، وبمدى احترامها لحقوق العاملين.
إن استحضار مقولة الملك الحسين اليوم، وتأكيدات الملك عبدالله الثاني المستمرة، يجب أن يتجاوز حدود الخطاب والمناسبات، ليصبح معياراً حاكماً عند وضع السياسات الاقتصادية، وتحديد الأجور، وتنظيم سوق العمل، وتشجيع الاستثمار. فالاستثمار الحقيقي ليس في تخفيض كلفة العمل على حساب الإنسان، بل في بناء قوة عاملة مستقرة، محمية، ومؤهلة، قادرة على الإنتاج والإبداع. هذا النوع من الاستثمار هو وحده القادر على الصمود، وهو وحده الذي ينسجم مع فلسفة الدولة الأردنية كما أرادها مؤسسوها ويؤكدها قيادتها اليوم.
الخلاصة أن ما يجمع بين رؤية الملك الحسين بن طلال ورؤية الملك عبدالله الثاني هو إيمان راسخ بأن الإنسان هو جوهر الدولة وغايتها. وما يختبر صدق هذا الإيمان اليوم هو سوق العمل. فإذا كان الإنسان فعلاً أغلى ما نملك، فإن العمل اللائق يجب أن يكون في صدارة الأولويات الوطنية، لا بنداً مؤجلاً في خطط لا يشعر المواطن بأثرها. فالعمل إما أن يكون مدخلاً للكرامة والاستقرار، أو يتحول إلى تناقض صريح مع الخطاب الوطني، وهذا خيار لا يليق بدولة قامت، وما زالت تقوم، على الإنسان أولاً.