استقرت فكرة الدولة في وجدان الإنسان الأردني بوصفها مآلاً أخلاقياً وضرورة سيادية كبرى، إذ انبعثت لتنظم فضاءً كان مستباحاً للصراع، وتنهض بمجتمعٍ كبّله غياب الإطار الجامع. الفوضى كانت نتاجاً حتمياً لغياب المرجعية التي تضبط العلائق بين الإنسان والأرض والسلطة، وقد استوجب الواقع انتشال البلاد من حالة التجاذب بين تحالفات متصارعة، سادها فراغ سياسي وأخلاقي مَلأه حصراً بناءٌ محكم الأركان، وقانون عادل، وسلطة تستمد شرعيتها من جوهر فكرة الدولة.
ومن هنا، انبثق كيان قادر على التكيف والصمود؛ دولة مرنة تمتلك من الحنكة الإستراتيجية ما يمكّنها من استيعاب العواصف الكبرى، مع صون ثوابتها السيادية وتحويل التنوع المجتمعي إلى ركيزة صلبة للاستقرار الوطني، شأنها في ذلك شأن المدن العتيقة التي تصمد بمتانة بنيانها.
قام مشروع الدولة على كونه حتمية تاريخية واستجابة عقلانية لتوق النفس البشرية إلى الاستقرار؛ فحقائق التاريخ تؤكد أيلولة الاجتماع البشري إلى الاحتراب في حال غياب الإطار المؤسسي، وضياع الكرامة الإنسانية عند غياب سيادة القانون. ومنذ فجر التأسيس، أيقنت الدولة استناد منعتها الحقيقية إلى وعي مواطنيها، وارتباط ديمومة الاستقرار بتجذر المعرفة والمشاركة الفاعلة. فحين تسبق الدولة مجتمعها السياسي بخطوة في إرساء الدعائم وتشييد البنى التحتية للمؤسسات والنظم الإدارية، فإنها تضمن حماية مسارها التاريخي، وتصهر التباينات في بوتقة انتظام عقلاني يكفل أمان المجتمع بأسره، مثلما يضمن التخطيط العمراني السليم سلاسة تدفق الحياة في المدينة.
إن فهم كينونة الدولة الأردنية يرتبط ارتباطاً عضوياً بفلسفة الثورة العربية الكبرى؛ تلك التي أعادت صياغة تعريف الإنسان العربي، فنقلته من رتبة التابع إلى مقام المواطن، ومن ضيق العصبية إلى فضاء الدولة الرحب، ومن الانصياع لسلطة القوة إلى الالتزام بقوة المعنى. جوهر هذه الرؤية يكمن في إعداد الإنسان ليكون قادراً على حمل أمانة الدولة وإعلاء صرحها، والانتقال من مرحلة الاستظلال بظلها إلى مرحلة بنائها. وهذا الوعي التأسيسي يمثل حجر الأساس للدولة المرنة، إذ يمنحها حصانة داخلية تدرأ عنها التحديات. وفي هذا المضمار، تبرز الجامعة بوصفها منارة للوعي ومختبراً حياً للمواطنة؛ فهي الفضاء الرحب الذي ينضج فيه الفكر النقدي، والحلقة المركزية في تعزيز مرونة الدولة عبر تمكين الشباب من صيانة مكتسباتهم الوطنية بوعي واقتدار، تماماً كمركز المدينة الذي يغذي شرايينها الحيوية.
وفي هذا السياق، يأتي الخطاب السياسي لجلالة الملك عبد الله الثاني ليرسم خارطة طريق للدولة المرنة، حيث يمتزج الإصلاح بالمسؤولية، ويتعالق التحديث بالهوية، في مسار تراكمي يعزز مناعة الكيان الوطني. ويجيء فكر سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني امتداداً جلياً لهذا التصور، إذ يضع الشباب في قلب المشروع النهوضي، ويرى في العلم والابتكار أدوات سيادة عصرية تمنح الدولة استقلال قرارها في عالم متسارع المتغيرات. فالسيادة المعاصرة، في أسمى تجلياتها، هي قدرة العقل الأردني على الإبداع والريادة في ميادين المعرفة، مُشيّداً جسوراً بين الإرث والأفق.
السياسة، في جوهرها الأصيل، هي فن إدارة المعنى العام، والدولة فكرة حية يغذيها وعي أبنائها على الدوام. واليوم، يقف الأردن أمام استحقاق ترتيب الأولويات الإستراتيجية، حيث الإنسان هو الغاية، والتعليم هو القاعدة، والوعي هو أداة التمكين. المستقبل الزاهر غاية تدرك حين تعلو المعرفة فوق الضجيج، وتسمو الدولة فوق كافة الانتماءات الفرعية. لقد كانت الدولة هي المبتدأ، وستظل هي الخبر واليقين، بصلابة الإنسان الذي آمنت به الثورة العربية الكبرى، وبيراعة الوعي الذي يصنع مرونتها ويضمن استمرارية ألقها في أفق الغد، راسخةً كبنيانها وممتدةً كحدودها في الوعي.