شكراً ديما .. لأنكِ جعلتِ العمل اللائق أولوية وطنية
د. صالح سليم الحموري
07-01-2026 01:38 AM
في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسات ترفًا أو شعارًا تسويقيًا، بل بات "معيارًا أخلاقيًا وتنمويًا" يُقاس به مدى نضج الاقتصاد وعدالة المجتمع. من هنا تبرز أهمية ما طرحته النائبة ديما طهبوب تحت قبة مجلس النواب حين أعادت وضع “العمل اللائق” في قلب النقاش العام، باعتباره جوهر المسؤولية المجتمعية قبل أن يكون بندًا في خطابٍ رسمي أو حملة علاقات عامة.
العمل اللائق ليس مجرد توفير فرصة عمل، بل هو ضمان أن تكون هذه الفرصة "محترمة وآمنة ومنصفة". وهو، وفق ما تقرّه منظمة العمل الدولية، منظومة متكاملة تبدأ من أجرٍ عادل يكفل "حياة كريمة"، وتمرّ ببيئة عمل آمنة وصحية، واستقرار وظيفي وحماية اجتماعية، ولا تنتهي عند احترام الحقوق النقابية وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص أمام النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة. بهذا المعنى، يصبح العمل اللائق مرآةً حقيقية لالتزام المؤسسات تجاه مجتمعها، لأنه يمسّ الإنسان مباشرةً في أكثر مساحات حياته حساسية: رزقه وكرامته.
لقد جاء طرح طهبوب بعيدًا عن المقاربة الضيقة التي تختزل سوق العمل في الأرقام والمؤشرات، ليعيد ربطه بالسياق الوطني الأوسع: تشريعات عادلة تنظّم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وقطاع خاص يدرك أن مسؤوليته لا تبدأ بالتبرعات وتنتهي عند الرعاية، بل تبدأ من داخل المؤسسة نفسها؛ من طريقة معاملة العاملين، وسياسات الأجور والتوظيف، وساعات العمل، والتوازن بين الحياة والعمل. ولعلّ هذه النقطة تحديدًا هي الأكثر حساسية اليوم؛ إذ كثيرًا ما نرى مؤسسات تتباهى بمبادرات خيرية خارجية، فيما يبقى “البيت الداخلي” مهملًا.
وأنا هنا لا أكرر انطباعًا عامًا، بل أستند إلى ما كتبته سابقًا وإلى خبرتي كمختص في هذا المجال: كثير من المؤسسات الكبرى (شركات خاصة، وجهات حكومية، ومؤسسات مجتمع مدني)، وحتى الكثير من البنوك وشركات الاتصالات، تُعلن بلا تردد أنها تتحمل المسؤولية المجتمعية. غير أن الواقع يقول شيئًا آخر: القليل، بل القليل جدًا، هو من يلتزم بها فعلًا، داخليًا وخارجيًا، وبما ينسجم مع المعايير العالمية التي تجعل من الإنسان وكرامته في العمل نقطة البداية لا الهامش.
والأكثر إزعاجًا أن بعض الجهات تمارس “الغسيل الأخضر” (Greenwashing) بوضوح: خطابات بيئية واجتماعية، وتبرعات لامعة، وتقارير مُنمّقة، وحملات علاقات عامة تتحدث عن الاستدامة وتحمل المسؤولية المجتمعية، بينما تُهمَل في الداخل أبسط حقوق العاملين، وتُخفَّف معايير الصحة والسلامة المهنية، وتُحمَّل الكوادر أعباءً لا تتناسب مع الأجر ولا مع الاستقرار. هنا تتحول المسؤولية المجتمعية إلى واجهة للتلميع، لا إلى التزام يُقاس بأثره الحقيقي على الناس.
بهذه الزاوية، يصبح طرح العمل اللائق ليس تفصيلًا تقنيًا، بل اختبارًا حقيقيًا لصدقية المسؤولية المجتمعية: هل هي التزام جوهري ينعكس داخل المؤسسة قبل خارجها، أم مجرد واجهة تُستخدم لتلميع الصورة؟.
أهمية هذا الطرح أنه يسلّط الضوء على فجوةٍ نعيشها في كثير من الأحيان: نمو اقتصادي لا ينعكس بالضرورة على نوعية فرص العمل. فالتنمية الحقيقية ليست أرقامًا تُدرج في التقارير، بل واقع يلمسه الناس في أمنهم الوظيفي، وفي قدرتهم على العيش بكرامة، دون خوف من فصلٍ تعسفي أو تمييز أو استغلال.
وإن تحويل العمل اللائق إلى واقعٍ ملموس لا يتحقق بالشعارات، بل يتطلب شراكةً صادقة ومسؤوليات واضحة: سلطة تشريعية تُنتج قوانين منصفة وتراقب تطبيقها، وحكومة تعتمد سياسات تنفيذية فعّالة، وقطاعًا خاصًا يتبنى التزامًا أخلاقيًا يتجاوز الحد الأدنى القانوني، وإعلامًا ومجتمعًا مدنيًا يقومان بدورهما في التوعية والمساءلة.
في النهاية، المجتمعات لا تُبنى بالاستثمارات وحدها، بل تُبنى بعمال يشعرون بالأمان والإنصاف والكرامة.
شكرًا ديما… لأنكِ وضعتِ كرامة الإنسان في مكانها الصحيح: في صلب النقاش الوطني، لا على هامشه.