التحولات الرقمية في الإعلام قراءة في الرؤية السعودية وانعكاساتها على الدور الأردني
السفير الدكتور موفق العجلوني
07-01-2026 10:49 AM
المنتدى السعودي للإعلام، الذي يُعقد خلال الفترة من 2 إلى 4 شباط/ فبراير المقبل، تضع "التحولات الرقمية" في موقع القلب من الصناعة من حيث أنها وقودٌ للنمو والريادة من جهة، وبوصلةٌ لفهم الجمهور واستهدافه من جهة أخرى، وعندما تُقرأ المحاور معًا تتقدم رسالة واحدة: التحول الرقمي منظومة مترابطة تبدأ بتهيئة المؤسسة، وتمر عبر تطوير المحتوى وتجربة الجمهور، ثم تنتهي عند أدوات الاستهداف ورفع فعالية الحملات، وبهذه الرؤية تتحول النقاشات من وصف التحول إلى تفكيك عناصره، ومن الحديث عن التقنية إلى قياس أثرها في الصناعة والجمهور معًاًً.
يقدّم المنتدى السعودي للإعلام 2026، من خلال الجلستين اللتين تتناولان التحولات الرقمية، نموذجًا ناضجًا لفهم عميق لطبيعة التغيير الذي تشهده صناعة الإعلام عالميًا. فالتحولات الرقمية لا تكتفي بوصف التحول الرقمي كأداة تقنية، بل تضعه في موقع “القلب النابض” للصناعة الإعلامية، حيث تتقاطع المؤسسة والمحتوى والجمهور في منظومة واحدة متكاملة. هذه الرؤية لا تعكس فقط تطورًا في الخطاب الإعلامي السعودي، بل تؤكد انتقال المملكة العربية السعودية إلى مرحلة متقدمة من التفكير الاستراتيجي في الإعلام بوصفه قطاعًا مؤثرًا في الاقتصاد والمعرفة وصناعة الرأي العام.
اللافت في الطرح هو التعامل مع التحول الرقمي كوقود للنمو وليس كخيار تكميلي. هذا الفهم ينسجم مع التجربة السعودية التي استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تربط بين التقنية وصناعة المحتوى، وبين الاستثمار في البنية الرقمية ورفع جودة الخطاب الإعلامي وتأثيره.
فالتحول الرقمي يبدأ من داخل المؤسسة : من إعادة ترتيب الأولويات، وتطوير نماذج العمل، وبناء ثقافة مؤسسية قادرة على القياس والتقييم، قبل أن يصل إلى الجمهور وأدوات استهدافه.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني بوصفه دورًا مكمّلًا وشريكًا طبيعيًا في هذا التحول الإقليمي. فالإعلام الأردني، بما يمتلكه من خبرات بشرية مؤهلة، ومؤسسات إعلامية عريقة، وتجربة طويلة في الإعلام المهني، يشكل قاعدة صلبة للانخراط في منظومة التحول الرقمي العربية. لقد كان الأردن تاريخيًا منصة تلاقٍ بين الإعلام المحلي والعربي والدولي، ومركزًا لتخريج الكفاءات الإعلامية التي أسهمت في تطوير المشهد الإعلامي في المنطقة، بما فيها السعودية.
وانطلاقًا من فكرة “تحليل البيانات وفهم سلوك الجمهور” التي يركز عليها المنتدى، يمكن القول إن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتعزيز دوره كحلقة وصل بين الإعلام العربي والأسواق العالمية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي، واستقراره، وانفتاحه الرقمي، وقدرته على التفاعل مع المنصات الدولية. فالإعلام الأردني حين يستثمر بعمق في أدوات التحول الرقمي، يستطيع أن ينتقل من الدور التقليدي إلى دور تحليلي وتفسيري، يربط القضايا المحلية بالسياق الإقليمي والدولي، ويقدّم محتوى قادرًا على مخاطبة جمهور متعدد الثقافات.
وهنا لا بد من الإشادة بالدور السعودي، فهي ليست مجاملة بقدر ما هي قراءة موضوعية للواقع. فالمنتدى السعودي للإعلام يعكس إدراكًا رسميًا ومؤسسيًا بأن مستقبل الإعلام لا يُبنى بالشعارات، بل بالجاهزية، وبالاستثمار في التقنيات الناشئة، وبفهم تجربة الجمهور بوصفها معيار النجاح الحقيقي.
المملكة العربية السعودية اليوم لا تناقش "هل نتحول رقميًا ؟ " بل تناقش “كيف نقيس أثر التحول ... وكيف نرفع فعاليته... وهو ما يضعها في موقع الريادة العربية، ويجعل تجربتها مرجعية إقليمية.
وتتكامل هذه الريادة السعودية مع الدور الأردني عندما تتحول الشراكة من تبادل خبرات إلى بناء مشاريع إعلامية رقمية مشتركة، ومن حضور في المنتديات إلى إنتاج محتوى عابر للحدود. فالرؤية التي يطرحها المنتدى السعودي للإعلام، والقائمة على ترابط المؤسسة والمحتوى والجمهور، هي ذاتها الرؤية التي يحتاجها الإعلام الأردني ليعزز موقعه كمركز فكري وتحليلي في المنطقة.
في المحصلة، التحول الرقمي لم يعد مسارًا تقنيًا منفصلًا، بل منظومة فكرية ومهنية متكاملة. تقود السعودية هذا المسار برؤية واضحة ومنصات حوار مؤثرة، فيما يمتلك الأردن المقومات البشرية والمعرفية ليكون شريكًا فاعلًا وجسرًا يربط الإعلام العربي بالعالم. وبين الريادة السعودية والخبرة الأردنية، تتشكل فرصة حقيقية لبناء إعلام عربي رقمي أكثر تأثيرًا، وأكثر قدرة على فهم جمهوره وصناعة مستقبله.