البوصلة المؤسسية .. حين يقود الوعي قبل الموارد
م. رياض الخرابشة
07-01-2026 11:14 AM
قبل الخطط، وقبل الهياكل، وحتى قبل النقاش حول الموارد، تقف البوصلة المؤسسية بوصفها الأساس الحقيقي لعمل أي مؤسسة. فهي التي تحدد الاتجاه العام، وتوحّد الفهم، وتمنح القرار معناه. من دون هذه البوصلة، تتحول الجهود—مهما كثرت—إلى حركة بلا اتجاه، ويغدو نقص الموارد شماعة تُعلّق عليها الإخفاقات.
البوصلة المؤسسية لا تعني توحيد الآراء أو إلغاء الاختلاف، بل تعني الاتفاق على الغاية المشتركة، وعلى الخط الفاصل بين ما يخدم الهدف وما يشتته. حين تكون البوصلة واضحة، يصبح الاختلاف في الأساليب مصدر قوة، لأن الجميع يتحرك نحو الوجهة نفسها، وإن اختلفت الطرق.
ومن هذه البوصلة يتشكّل الوعي المؤسسي؛ ذلك الإدراك الجمعي لطبيعة الدور، وحدود الصلاحيات، ومسؤولية القرار. الوعي المؤسسي لا يُصاغ بتعميم إداري، بل يتكون عبر ممارسة متسقة يشعر فيها الأفراد أن ما يُقال هو ما يُفعل، وأن المعايير لا تتغير بتغير الأشخاص أو الظروف. عندها، لا يحتاج القرار إلى تفسير مطوّل، لأن منطقه مفهوم مسبقًا.
في أوقات الوفرة، قد تتعايش المؤسسات مع غياب البوصلة دون أن تشعر بالخطر. تتعدد المبادرات، ويتوزع الجهد، ويبدو الأداء مقبولًا. لكن عند أول اختبار حقيقي—حين تشحّ الموارد—ينكشف كل شيء. هنا، لا يُختبر حجم الموازنة بقدر ما يُختبر وضوح الاتجاه. المؤسسات ذات البوصلة الواضحة لا تبدأ بالسؤال عمّا ينقصها، بل عمّا يجب إنجازه الآن، وبأي جهد، ولماذا.
وتظهر قوة الوعي المؤسسي في الاختيار الصعب. ليس كل ما هو قائم يجب أن يستمر، وليس كل فكرة جيدة تستحق التنفيذ فورًا. القدرة على تقليص المسارات دون فقدان الهدف تعكس نضجًا لا تراجعًا. فالتركيز ليس انكماشًا، بل حماية للطاقة من التشتت.
كما يتجسد هذا الوعي في التمييز الواضح بين الضروري والمهم. الضروري هو ما يحفظ الاستمرارية، والمهم هو ما يمكن إدارته بمرونة دون الإضرار بالمسار العام. هذا التمييز البسيط في شكله، العميق في أثره، يحوّل إدارة الموارد من توزيعٍ متساوٍ إلى توجيهٍ ذكي قائم على الأثر.
وعندما تضيق الموارد المالية، ينتقل مركز الثقل إلى العنصر البشري. البوصلة المؤسسية هنا تلعب دورها الحاسم: تبسيط الإجراءات، وضوح الصلاحيات، وبناء الثقة الأفقية قبل الانضباط الرأسي. في هذا المناخ، يتحول الموظف من منفذ إلى شريك، ويصبح الوقت قيمة إنتاجية لا كلفة خفية.
أما الخطط، فلا يقاس نجاحها بمدى الجمود في الالتزام بها، بل بقدرتها على التكيّف دون فقدان الاتجاه. تعديل المسار، وإعادة توزيع الجهد، ونقل الموارد بين البرامج ليست علامات ارتباك، بل مؤشرات على وعي مؤسسي يدرك أن حماية الهدف أهم من التمسك بشكل الطريق.
الخلاصة أن البوصلة المؤسسية هي ما يصنع عقل المؤسسة، وأن الوعي المؤسسي هو ما يمنح هذه البوصلة قدرتها على العمل في الواقع. وحين يجتمع الاتجاه الواضح مع الإدراك المشترك، تتحول التحديات إلى فرص، ويصبح نقص الموارد اختبارًا لجودة الإدارة لا عذرًا لغيابها. المؤسسات لا تتقدم بما تملك فقط، بل بما تعرف… وإلى أين تمضي بثبات