facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي .. ملف لا يحتمل الصمت


فيصل تايه
07-01-2026 11:16 AM

لم يعد مقبولاً ، أن تبقى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي موضوعاً قابلاً للتداول ، أو ان يختزل في أرقام مجتزأة أو انطباعات عامة لا تعكس حقيقتها ولا حجمها ولا دورها الوطني العميق ، فالضمان الاجتماعي، بحكم وظيفته وموقعه وتأثيره، هو أحد أعمدة الدولة الاجتماعية الحديثة، وأحد أكثر الملفات حساسية والتصاقاً بالأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، وهو ما يفرض مقاربة مختلفة في الخطاب، أكثر صدقاً وجرأة ووضوحاً، وأعلى منسوباً من المسؤولية السياسية والإعلامية، بعيداً عن المجاملة أو التهوين أو إدارة الظهر للرأي العام.

إن الدعوة التي أطلقها رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز ، حين شدد على ضرورة أن يطلع المجتمع الأردني على حقيقة وواقع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، لا يمكن قراءتها بوصفها تصريحاً عابراً أو مجاملة مؤسسية، بل يجب أن تفهم باعتبارها موقفاً وطنياً واعياً يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة، وحجم التحديات، وحساسية الملف، وأهمية بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها عبر الشفافية الصريحة لا عبر التطمينات العامة وحدها ، فالدول التي تحترم نفسها لا تخشى الأرقام، والدول الواثقة بمؤسساتها لا تتحفظ على الحقائق، بل تحسن شرحها وإدارتها والتواصل بشأنها.

ان هذا الطرح يأتي منسجماً مع التوجيهات الملكية السامية، إذ أكد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، في أكثر من مناسبة، أن تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية يمثل أولوية وطنية ثابتة، وأن وضوح السياسات وشرحها للمواطنين يشكلان أساساً لبناء الثقة والاستقرار، وهو ما ينسحب بشكل مباشر على مؤسسة الضمان الاجتماعي بوصفها ركيزة رئيسة في منظومة الحماية ، كما ينسجم هذا التوجه مع نهج حكومة دولة الدكتور جعفر حسان، التي أعلنت بوضوح أن الشفافية والمصارحة مع الرأي العام ستكونان سمة عمل حكومي ثابتة، وأن إدارة الملفات الوطنية الحساسة ستقوم على الوضوح، لا الإرباك، وعلى التواصل، لا الصمت.

لذلك ، فان علينا ان نعي تماماً ان الضمان الاجتماعي ليس ملكاً لإدارة ، ولا لحكومة ، ولا لجيل بعينه، بل هو عقد اجتماعي طويل الأمد بين الدولة والمجتمع، تراكم فيه الاشتراكات اليوم لتصرف الحقوق غداً ، وتدار أمواله بعقل استثماري لا يخضع للانفعالات، ولا يدار بمنطق ردود الفعل، بل بمنهج علمي قائم على الدراسات الاكتوارية والتخطيط بعيد المدى ، ومن هنا، فإن أي نقاش حول واقعه أو مستقبله لا يجوز أن يدار بلغة التخويف أو التهويل، كما لا يجوز في المقابل أن يدار بلغة التبسيط المخل أو الإخفاء، لأن كلا النهجين يضر بالمؤسسة ويقوض الثقة بها.

لقد أثبتت التجربة أن غياب الخطاب الواضح يفتح الباب أمام الشائعات، وأن ضعف التواصل المؤسسي يخلق فراغاً تملؤه التأويلات، وهو ما يجعل من اطلاع الرأي العام على حقيقة وضع الضمان الاجتماعي ضرورة وطنية لا سبقاً خبرياً إعلامياً ، فالشفافية هنا ليست رخاءاً سياسياً ولا خياراً تجميلياً ، بل أداة حماية للمؤسسة نفسها، وصمام أمان لاستقرارها، وضمانة لاستمرار ثقة الأردنيين بها، وحائط صد في وجه كل خطاب غير مسؤول.

وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من التجارب السابقة، ومن الحوارات التي قادتها إدارات سابقة للمؤسسة على المنصات الإعلامية الوطنية، فإن جوهر الرسالة كان دائماً أن الضمان الاجتماعي ليس أزمة قائمة، بل منظومة تحتاج إلى إدارة واعية، وتشريعات متوازنة، ونقاش عام ناضج يدرك أن الاستدامة لا تتحقق بالشعارات، ولا بالقرارات الشعبوية، بل بالموازنة الدقيقة بين حقوق المشتركين اليوم وحقوق الأجيال القادمة، وبالقرار السياسي الشجاع القائم على العلم لا على الانفعال.

إن مخاطبة كبار المسؤولين اليوم تقتضي القول بوضوح لا لبس فيه إن الضمان الاجتماعي لا يحتاج إلى دفاع انفعالي، بل إلى سردية وطنية عقلانية، تقدم الحقائق كما هي، وتشرح التحديات كما هي، وتضع الخيارات المستقبلية أمام الرأي العام دون تجميل أو تهوين ، فالمجتمعات القوية لا تخشى الحقيقة، والدول الراسخة لا تدار بالصمت، ولا تحمى مؤسساتها بالإنكار، بل بالصدق والمصارحة والحوكمة الرشيدة.

الضمان الاجتماعي، بكل ما يمثله من قيمة اقتصادية واجتماعية وسيادية، يحتاج إلى خطاب رسمي وإعلامي يرقى إلى مستواه، خطاب يحترم وعي المواطن، ويخاطب عقله، ويؤكد أن هذه المؤسسة وُجدت لتحمي الناس لا لتقلقهم، ولتؤمّن المستقبل لا لتغامر به ، وهذا لا يتحقق إلا بإرادة سياسية واضحة، وشراكة حقيقية مع المجتمع تقوم على المعرفة لا على الصمت، وعلى الثقة لا على الإرباك.

وفي المحصلة، فإن الحفاظ على الضمان الاجتماعي ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية دولة بأكملها، تبدأ بالاعتراف بحساسية الملف، وتمر بالصدق في الخطاب، وتنتهي بسياسات تضع الإنسان الأردني في قلب القرار، وتتعامل مع الضمان بوصفه أحد أعمدة الاستقرار الوطني التي لا تحتمل المزايدات ولا المجازفات، ولا تدار إلا بعقل الدولة ومنطق المستقبل.

والله ولي التوفيق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :