إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي: خطوة حيوية لتطوير القطاع الصحي
أ.د. زيد الحمدان
07-01-2026 11:55 AM
في ظل التحديات الصحية المتزايدة وتعقّد المشهد الصحي، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي بوصفه إطارًا وطنيًا جامعًا يقود عملية التطوير الشامل للنظام الصحي. فالمجلس ليس مجرد هيئة استشارية، بل منصة للتخطيط الاستراتيجي وتنسيق السياسات وتوحيد الأولويات بين مختلف مكونات القطاع، بما يجعله حجر الزاوية لأي إصلاح صحي حقيقي، وقائدًا للتكامل الفاعل بين جميع الشركاء.
أهمية المجلس الصحي العالي في الحوكمة الصحية
يتمثل الدور الجوهري للمجلس الصحي العالي في صياغة رؤية وطنية شاملة للقطاع الصحي، ووضع خطط بعيدة المدى تستند إلى بيانات واحتياجات فعلية. ومن خلال تجسيده لمبدأ التشارك والتكامل بين القطاعات الصحية المختلفة—العام والخاص والأهلي، إضافة إلى الشركاء الدوليين—يمكن للمجلس معالجة التحديات بطريقة منهجية وشمولية، بدلًا من الحلول الجزئية التي كثيرًا ما تتعثر بسبب غياب التنسيق.
كما يضطلع المجلس بدور محوري في وضع السياسات الصحية الوطنية ومتابعة تنفيذها، وضمان توزيع الموارد الصحية بكفاءة وعدالة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والبحثية من جهة، والمؤسسات الصحية التطبيقية من جهة أخرى، بما يربط التخطيط بالتنفيذ والبحث بالاحتياج الواقعي.
ومن المقترحات العملية لتعزيز فعاليته: إعادة هيكلة المجلس ضمن منظومة واضحة للحوكمة والتنظيم، بحيث تُنسّق الأدوار مع المجلس الصحي الأردني ومجلس التمريض، مع إعادة تعريف وتفعيل دور المركز الوطني للأوبئة ضمن إطار تكاملي يضمن الاستجابة المبكرة والفعالة للأمراض والتهديدات الصحية. كذلك يمكن للمجلس أن يقود توحيد وتنظيم الاعتراف ببرامج التطوير المهني المستمر للكوادر الصحية، بحيث تصبح جميعها معتمدة ومتسقة عبر جهة وطنية واحدة تضمن الجودة وتمنع التشتت.
بهذا التصور، يصبح المجلس الصحي العالي جهة رائدة لصياغة التشريعات والسياسات الناظمة للعمل الصحي، وتعزيز جودة الكوادر وتطويرها، الأمر الذي يُمكّن وزارة الصحة من التركيز بصورة أكبر على دورها الأساسي في تقديم وإدارة الخدمات الصحية المباشرة للمواطنين.
أدوار المجلس الصحي العالي في تطوير القطاع الصحي
يمكن للمجلس أن يقود التحول المطلوب عبر مجموعة أدوار استراتيجية، من أبرزها:
1. التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة الصحية
تحديد الاحتياجات المستقبلية من الكوادر والتخصصات النادرة، وبناء خطط وطنية لسد الفجوات في سوق العمل الصحي، بما يشمل سياسات التعليم والتدريب والاستبقاء، وإدارة الهجرة المهنية بما يخدم المصلحة الوطنية.
2. توحيد المعايير والممارسات
وضع معايير وطنية موحّدة لجودة الخدمات وسلامة تقديمها في جميع القطاعات، وتحديد متطلبات واضحة تضمن اتساق الأداء وتقليل التباين في مستوى الخدمة.
3. دعم جودة التعليم الصحي ومواءمة المخرجات مع الاحتياج
الإسهام في تطوير معايير ترخيص واعتماد البرامج التعليمية الصحية، بما يضمن جودة المخرجات ويحقق المواءمة بين التعليم واحتياجات النظام الصحي.
4. تعزيز البحث العلمي والابتكار التطبيقي
ربط الجامعات ومراكز البحث بالمؤسسات الصحية، وتوجيه البحث العلمي نحو الأولويات الوطنية والقضايا الأكثر تأثيرًا على صحة المجتمع، بما يرفع كفاءة القرار الصحي المبني على الدليل.
5. تحسين الجودة وسلامة المرضى
بالتعاون مع مجلس اعتماد المؤسسات الصحية والجهات الرقابية، تطوير آليات وطنية لقياس الجودة ومتابعتها، وتعزيز ثقافة المساءلة والشفافية والتحسين المستمر على مستوى النظام بأكمله.
6. قيادة التحول الرقمي وتكامل المعلومات الصحية
دفع مسار التحول الرقمي عبر ضمان تكامل الأنظمة المعلوماتية بين مقدمي الخدمات، بما يحد من ازدواجية الإجراءات والعلاج، ويُحسّن تجربة المريض، ويرفع كفاءة الإنفاق الصحي.
التحديات والفرص
لا شك أن تفعيل المجلس الصحي العالي قد يواجه تحديات واقعية، أبرزها تعدد الجهات الصحية وتداخل الصلاحيات تاريخيًا، والحاجة إلى موارد مخصصة، إضافة إلى ضرورة توفير استقلالية مؤسسية تُمكّنه من أداء دوره بكفاءة. لكن الفرص أكبر؛ فالتطور التقني المتسارع، والاتجاه العالمي نحو النظم الصحية المتكاملة، وتنامي الوعي بأهمية الحوكمة الرشيدة، كلها عوامل تجعل هذه الخطوة استراتيجية وفي توقيت مناسب.
إن إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي بصلاحيات واضحة، وتمثيل متوازن، واستقلالية تضمن الفاعلية، ستمكّنه من قيادة التحول الصحي المنشود. وهي استثمار مباشر في صحة المواطن ورفاه المجتمع، وضمانة لبناء نظام صحي مرن قادر على مواجهة الأزمات الحالية والمستقبلية.
ختامًا، فإن إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي ليست خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وطنية تفرضها تعقيدات الواقع الصحي. وهي خطوة تُحسب للحكومة إذا ما أُنجزت وفق إطار حوكمة واضح ومسؤول. إنه الاستثمار الأمثل لضمان نظام صحي متكامل، عادل، وفعّال، يليق بطموحاتنا ويحفظ حق المواطنين في رعاية صحية آمنة وعالية الجودة.
* جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية