لسنا أمام أزمة طارئة.. ولا حادثة موسمية عابرة.. نحن أمام مشهد يتكرر بمللٍ قاتل.. كل شتاءٍ يعيد نفسه وكأنه تمرين فاشل لم نتعلم منه شيئاً.. فحبات الخير التي كانت تُستقبل بالدعاء والفرح.. صارت تُستقبل اليوم بقلقٍ ثقيل.. وبيَدٍ على القلب.. وخوفٍ على الطرق والممتلكات والأرواح..
المطر لم يتغير.. السماء لم تعادِنا.. الأرض وحدها تُركت بلا ذاكرة.. بلا بنية.. بلا تصريفٍ يحترم حقها في الشرب وحق الناس في الأمان.. فتحوّل الخير إلى وبال.. وتحولت الشوارع إلى مصائد.. والمنازل إلى جزر معزولة.. وكأننا لم نسمع من قبل عن هندسة مياه.. أو تخطيط حضري.. أو خرائط تصريف تُرسم قبل أن تُغرق..
قبل كل موسم.. تُعقد الاجتماعات.. تُلتقط الصور.. تُعلن الجاهزية.. كلمات كبيرة تُقال على أعلى المستويات.. وحين تهطل أولى القطرات.. يتبخر كل شيء.. تختفي الخطط.. وتغرق الوعود.. ويُترك المواطن وحده في مواجهة المشهد.. يجرّ سيارته من حفرة.. أو يمسح الماء عن عتبة بيته.. أو يبحث عن طريق قد انهار.. او لم يعد طريقاً واضح المعالم..
الأردن لم يخلُ يوماً من العقول.. ولم يجفّ من الخبرات.. لدينا مهندسون وخبراء يعرفون كيف تُدار المياه.. وكيف تُصان المدن.. وكيف تُبنى الحلول على مراحل.. أو برؤية متكاملة.. تتوافق مع الامكانات المتاحة..
فالسؤال الحقيقي ليس عن وجود الحل.. بل عن وجود الإرادة.. هل تُسمع أصوات الخبراء؟!.. أم تُركن دراساتهم في الأدراج؟!.. وهل المشكلة في العقول.. أم في آذانٍ لا تريد أن تسمع؟!..
وحين تتكرر الكارثة.. تصبح مسؤولية.. وحين تتحول المسؤولية إلى إجراء روتيني بلا محاسبة.. تصبح مرضاً مزمناً.. نعتاد عليه.. ونبرره بالطقس.. بينما الحقيقة أن الطقس بريء.. وأن الخلل أعمق من غيمة.. وأقدم من موسم.. وأكثر كلفة من كل ما ندّعيه بعد كل غرق..
ولا تكتمل مسؤولية ما يمكن أن أطلق عليه تسميته حكومة تصريف المياه.. إن بقي تعاملها مع هذا الملف محصوراً في الغرامات.. فالمخالفة لا تُلغى بدفع غرامتها.. بل بإزالة أثرها من "شروشه"..
فحين يُغرم المواطن لأنه لم يحفر بئراً لتصريف المياه.. ولا يُجبر على الحفر.. تبقى المشكلة قائمة وتنتظر أول مطر.. وحين تُستغل تسوية عمارة كسكن تحت مستوى الشارع.. معرضة للغرق ومسببة لاختناق المواقف.. ثم يُكتفى بتحصيل الغرامة دون التصويب أو الإزالة.. نكون قد شرعنا الخلل بدل أن نعالجه.. فالماء لا يعترف بالإيصالات.. ولا يقرأ قرارات التحصيل.. هو فقط يبحث عن منفذ.. وحين لا يجده.. يفرض منطقه على الجميع..
من هنا.. قد لا نحتاج حكومة تصريف أعمال روتينية.. بل حكومة تصريف مياه حازمة.. تضرب بيد من حديد كل مقصِر.. مسؤولاً فتسداً كان.. أو مواطناً مستهتراً مخالِف.. حكومة لا تُكثر الكلام.. بل تُنزل الحل إلى الأرض.. تراقب المنهل قبل أن يفيض.. والمجرى قبل أن يختنق.. والطريق قبل أن يغرق.. حكومة تُحاسَب على أول قطرة لا تجد طريقها الصحيح..
فالمطر لا يحتاج خطابات.. يحتاج أن يجد طريقه فقط.. ونحن لا نطلب معجزة.. نطلب حكومة تتعامل مع الخير كخير.. لا ككارثة مؤجلة.. ولا كاختبار نفشل فيه كل عام.. ثم نعيده بذات الأسئلة.. وبذات الأعذار.. وبذات الغرق..