الشركات الوطنية .. خدمات أم جباية
أ.د سلطان المعاني
07-01-2026 01:14 PM
تحتاج الشركات الوطنية إلى تعريفٍ واضح لوظيفتها العامة قبل تعريفها لدفاتر أرباحها. تُنشأ هذه الشركات في الأصل كي تُيسّر حياة الناس، وتُحسن جودة الخدمة، وتبني ثقة السوق، وتُضيف قيمة إنتاجية تُرى في الكهرباء والماء والاتصالات والنقل وسلاسل الإمداد. حين تضطرب البوصلة وتغدو “الجباية” ثقافة تشغيل، تتحول الفاتورة إلى رسالة سلطة، ويتحوّل المواطن إلى رقم، وتتحول الإدارة إلى ماكينة تحصيل، وتذبل فكرة الشركة الوطنية في الوعي العام.
يرتبط منع هذا الانزلاق بثلاث دوائر متداخلة: حاكمية مؤسسية دقيقة، وتنظيم قطاعي مستقل، وعقد اجتماعي صريح بين الشركة والجمهور. تبدأ الحاكمية من مجلس إدارة يمتلك خبرة حقيقية في القطاع، ويخضع لمعايير تعيين تُعلن بشفافية، وتضبط تضارب المصالح، وتفصل بين القرار التنفيذي وبين الاعتبارات السياسية والزبائنية. وتستقيم الحاكمية حين تُقاس الإدارة بمؤشرات أداء قابلة للتحقق: خفض الفاقد، سرعة الاستجابة للأعطال، زمن إنجاز الخدمة، جودة الشبكات، رضا المشتركين، وحماية البيانات، وتطوير البنية التحتية. هنا يصير الربح نتيجة كفاءة، لا نتيجة ضغطٍ على المستهلك.
يتطلب التنظيم القطاعي جهةً رقابية مستقلة تمتلك أدوات فنية وقانونية، وتُمسك بمعادلة السعر العادل: سعر يضمن استدامة الاستثمار، ويحمي الجمهور، ويمنع التسعير المزاجي، ويُلزم الشركة بمعايير خدمة مكتوبة. وتنجح الرقابة حين تُلزم الشركة بنشر تقارير دورية مفهومة: تكلفة التشغيل، نسب الفاقد، خطط التوسعة، نسب الأعطال، بنود الإنفاق الرأسمالي، ومبررات أي تعديل تعرفة. الشفافية هنا ليست زينة علاقات عامة؛ الشفافية جهاز إنذار مبكر يمنع تضخم الامتياز.
يمضي الإصلاح خطوة أبعد حين يُعاد بناء التعرفة على فلسفة خدمة لا على فلسفة تحصيل. تُصمم التعرفة بحيث تُكافئ الكفاءة وتُعاقب الهدر: شرائح واضحة، حماية للفئات الأشد هشاشة عبر “تعرفة اجتماعية” محددة المعايير، حوافز للترشيد، وربط الزيادات بخطط تحسين معلنة وجدول زمني مضبوط. وحين تُربط أي زيادة بتعهدات محددة تتصل بتطوير الشبكة وخفض الفاقد وتحسين زمن الانقطاع، يتحول السعر إلى عقد أداء، وتتبدل نفسية المشترك من الإحساس بالقهر إلى الإحساس بالشراكة.
تنبني الثقة أيضًا عبر عدالة التحصيل لا عبر شدته. تُنشئ الشركة نظام شكاوى فعّالًا بمواعيد استجابة مُلزمة، وتفتح قنوات تسوية واضحة، وتستخدم التحكيم الفني في النزاعات، وتفصل بين حق الشركة في استرداد مستحقاتها وحق الجمهور في خدمة تحفظ الكرامة. وتُدار المتأخرات عبر جداول تقسيط مرنة، ومعايير إنسانية تُراعي ظروف الناس، خاصة حين ترتبط الخدمة بحياة الأسرة وصحة الأطفال وكبار السن واستقرار العمل.
تتضاعف مخاطر “الجباية” حين تمتلك الشركة احتكارًا طبيعيًا أو عمليًا. هنا تبرز قيمة المنافسة المُنظمة: فتح الباب لمزودي خدمات في حدود تضمن السلامة وتمنع الفوضى، أو على الأقل تطبيق “المقارنة المعيارية” مع شركات مماثلة في المنطقة والعالم، ونشر النتائج للجمهور. حين ترى الإدارة نفسها في مرآة منافسين ومعايير دولية، ينكمش الميل إلى الاستسهال، وتتقدم ثقافة الابتكار وخفض الكلفة.
تحتاج الشركات الوطنية كذلك إلى تحصين علاقتها بالخزينة العامة. تتسبب فجوات التمويل الحكومي أحيانًا في دفع الشركة نحو سدّ العجز من جيب المستهلك. يُعالج ذلك عبر فصل بنود الدعم والسياسات الاجتماعية عن ميزانية الشركة التشغيلية، وإقرار “التزام خدمة عامة” واضح التمويل حين تُطلب من الشركة مهام غير ربحية. وحين تتحمل الدولة مسؤوليتها في تمويل سياساتها الاجتماعية مباشرة، تتفرغ الشركة لرفع الكفاءة بدل البحث عن موارد سريعة عبر الفواتير والغرامات.
ينجح المسار أيضًا حين تُصمم المكافآت داخل الشركة على أساس خدمة الجمهور. تُربط حوافز الإدارة العليا بمؤشرات جودة الخدمة وخفض الفاقد ورفع رضا المشتركين، ويُربط تقييم الفروع بوقت الاستجابة ومعالجة الشكاوى، ويُكافأ الموظف على حل المشكلة من جذورها لا على تضخيم الإجراءات. يتحول السلوك الداخلي عندئذٍ إلى ثقافة “حل” بدل ثقافة “تحصيل”.
تقتضي الصورة الكاملة إدخال التحول الرقمي بوصفه رافعة للعدالة والكفاءة معًا: عدادات ذكية تُقلل الأخطاء، بيانات مفتوحة تشرح التعرفة والاستهلاك، فواتير تفصيلية تُظهر مصدر التكلفة، ولوحات مؤشرات عامة تُعرض فيها الأعطال وخطط الصيانة. حين يعرف المواطن كيف تُبنى الفاتورة، وكيف يتحسن الأداء، يتكوّن رأس مال ثقة يُخفف الاحتقان ويمنح الشركة مساحة تطوير.
تُختم الفكرة عند نقطة جوهرية: تُقاس وطنية الشركة بقدرتها على خلق قيمة مشتركة، قيمة اقتصادية عبر استثمارٍ منتج، وقيمة اجتماعية عبر خدمة عادلة، وقيمة مؤسسية عبر شفافية ومساءلة. حين تُدار الشركة بهذه الروح، يتراجع هاجس الجباية تلقائيًا، وتتقدم صورة الشركة بصفتها شريك مجتمع، ومؤسسة قادرة على تمويل نموها عبر الكفاءة والابتكار، لا عبر ضغطٍ دائم على الناس.