لم تعد سيادة الدول ذلك المفهوم الراسخ الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تعد الحدود السياسية ولا المواثيق الدولية قادرة على حماية إرادة الشعوب من تغوّل القوة. ما نشهده اليوم هو عودة صريحة، وإن كانت مموّهة، إلى شريعة الغاب؛ لكنها لا تأتي هذه المرة بملامح بدائية أو بأسلحة بدائية، بل تتقدّم بثياب التحضّر، وبخطاب القيم، وبشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما جوهرها الحقيقي هو الاستيلاء على القرار الوطني للدول الضعيفة، وإعادة تشكيل العالم وفق ميزان القوة لا وفق ميزان العدالة.
الانقلابات لم تعد محلية كما عرفها التاريخ الحديث، ولم تعد تُدار عبر جيوش داخلية أو نخب منقلبة على أنظمتها، بل أصبحت تُنفّذ عن بُعد، عبر قوى عظمى تفرض نفسها على دول أخرى، وتعيد تعريف الشرعية وفق مصالحها الخاصة. تُدار السياسة الدولية اليوم كما تُدار عروض المصارعة الحرة: سيناريو مُعدّ سلفًا، خصم مُختار بعناية، ونهاية دامية تُقدَّم للجمهور بوصفها انتصارًا للقيم، فيما الحقيقة أنها إهانة علنية لسيادة الدول وإرادة شعوبها، حتى وأن المصارعة الحرة كانت ساحة التجربة والخبرة لرجل كان مديرًا لأعمال مصارعين رأى أن العالم يمكن أن يكون حلبة مصارعة يتم إهانة الخصم والاستيلاء على مستقبله، وحتى أن هناك مجالًا لدفع الأموال الضخمة للمقامرة بمن سيكون الرابح في النهاية.
قضية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وسيناريو اقتياده للمحاكمة خارج بلاده، تفتح الباب واسعًا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لعالم يدّعي احترام القانون الدولي أن يقبل بمحاكمة رؤساء دول بالقوة، وفي مدينة تحتضن مقر الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟ ذلك المجلس الذي أُنشئ لفض النزاعات بات عاجزًا عن أداء دوره العادل، لأنه مكبّل منذ تأسيسه بحق النقض (الفيتو)، ذلك الامتياز الذي منح خمس دول سلطة تعطيل العدالة الدولية متى تعارضت مع مصالحها.
هنا تكمن جذور شريعة الغاب الجديدة. الفيتو ليس أداة توازن كما يُروَّج له، بل هو تشريع رسمي لهيمنة الأقوياء. هو الذي أعطى ساكن البيت الأبيض – ومن سبقه ومن سيأتي بعده – الحق العملي في إرسال رجاله، وفرض رواياته، وشنّ عمليات عدائية داخل دول ذات سيادة، تحت ذرائع جاهزة: مكافحة المخدرات، حماية الديمقراطية، أو تزوير الانتخابات. وهي ذرائع تفقد مصداقيتها حين نضعها في ميزان الوقائع، ونقارنها بحالات أخرى جرى فيها التغاضي عن جرائم موثّقة، وجرى توفير الحماية السياسية والعسكرية لأنظمة تورّطت في تهجير شعوبها وقتل مئات الآلاف منهم، وهي ذاتها التي تحمي بعض الانظمة المتغطرسة المحتلة كما في حالة إ س ر ا ئ ي ل ، وكان الأجدر بمن يقتاد رئيسا أن يعتقل من حكمت عليه محكمة دولية لمحاكمته في محكمة اقرتها الأمم المتحدة التي تمثل المجتمع الدولي بأسره.
لقد تمت شرعنة ، بهذه الممارسات، إلغاء سيادة الدول، وجرى تطبيع فكرة التدخل العدائي في شؤون الآخرين، بل والعبث بمياههم الإقليمية وحدودهم ومقدّراتهم، وكأن العالم يعود بخطى ثابتة إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، حين كانت القوة وحدها هي القانون. في هذا المشهد، يبدو “أسد الغابة” مانحًا صلاحيات مطلقة لـ“ثعلب” يقبع في مركزها، فيما تُرهب بقية الكائنات عند الأطراف: النمر والذئب والضبع، لا لذنب سوى أنها أضعف أو أقل نفوذًا.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل تحوّل خطير في بنية النظام الدولي. فإذا استمر هذا المسار، فإن مفهوم السيادة ذاته سيتحوّل إلى ذكرى تاريخية، وستصبح إرادة الشعوب تفصيلاً هامشيًا في عالم تحكمه شريعة الغاب، مهما تلونت بألوان المدنية والتحضّر.