لا يكون الهدوء دائمًا علامة سلام.
أحيانًا يكون مجرد صمتٍ ثقيل يسبق الانفجار كما لو أن العالم يحبس أنفاسه قبل أن يقرر الاتجاه الذي سيسلكه التاريخ.
نحن نعيش هذه اللحظة الآن.
ما جرى مؤخرًا في فنزويلا لم يكن حدثًا عابرًا في دولة بعيدة ولا مجرد أزمة سياسية في هامش الجغرافيا.
كان رسالة مبكرة اختبارًا ميدانيًا وبروفة كاملة لما هو آتٍ.
هناك تَكشّف شكل جديد للصراع: بلا جيوش تزحف بلا بيانات حرب لكن بأدوات أكثر فتكًا وأكثر تأثيرًا.
الخرائط لم تعد تُرسم بالقلم بل تُمسح أولًا ثم يُعاد تشكيلها وفق ميزان المصالح.
لفهم ما يحدث اليوم لا يكفي النظر إلى الأخبار منفصلة.
لا إلى فنزويلا وحدها ولا إلى التوتر بين إسرائيل وإيران ولا إلى الحرب في أوكرانيا ولا حتى إلى التصعيد في بحر الصين.
هذه ليست قصصًا متعددة بل فصول من رواية واحدة.
رواية حرب عالمية جديدة… بدأت بالفعل لكن دون إعلان رسمي.
من الهيمنة إلى القلق: مأزق الإمبراطورية الأمريكية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بُني النظام الدولي على معادلة واضحة:
الولايات المتحدة في المركز الدولار عملة العالم والطاقة – وتحديدًا النفط – العمود الفقري للاقتصاد العالمي.
لم تكن القوة العسكرية وحدها ما منح واشنطن تفوقها بل قدرتها على التحكم في سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة والنظام المالي الدولي.
اتفاقيات النفط المسعّر بالدولار لم تكن تفصيلًا اقتصاديًا بل حجر أساس في هندسة الهيمنة.
لكن التاريخ لا يمنح الامتيازات إلى الأبد.
في صمت ومن دون ضجيج أيديولوجي صعدت الصين.
لم تدخل بوابة الصراع كقوة عسكرية متمردة بل كاقتصاد عملاق.
أصبحت مصنع العالم ومركز سلاسل التوريد والمصدر الأكبر للمعادن النادرة التي تقوم عليها الصناعات التكنولوجية الحديثة.
الأخطر من ذلك أن بكين بدأت تفك ارتباطها التدريجي بالدولار وتبني نظامًا موازيًا عبر الذهب وتحالفات اقتصادية جديدة ومبادرات عابرة للقارات.
بالنسبة لواشنطن هذا ليس منافسًا تقليديًا هذا تهديد وجودي.
فالإمبراطوريات كما يعلم التاريخ لا تسقط بالضربة القاضية بل بالاختناق البطيء.
الطاقة: السلاح الذي لا يُرى
رغم قوتها الصناعية الهائلة تظل الصين دولة تعتمد بشكل بالغ على استيراد الطاقة.
ملايين البراميل يوميًا تُبقي مصانعها عاملة واقتصادها متماسكًا ونموها متسارعًا.
أغلب هذه الإمدادات تأتي من مناطق غير مستقرة سياسيًا وعلى رأسها الشرق الأوسط إضافة إلى دول تخضع لعقوبات أو نزاعات مع الغرب.
هنا تحديدًا رأت الولايات المتحدة نقطة الضعف.
الحرب المباشرة مع الصين مستحيلة: ترسانة نووية حلفاء نوويون وانهيار عالمي مضمون.
أما الحرب غير المباشرة… فهي الخيار الأذكى.
ضرب شريان الطاقة لا الجسد العسكري.
فنزويلا: الخطوة الأولى على رقعة الشطرنج
لم تكن فنزويلا مجرد ملف نفطي. كانت نقطة اختبار.
قطع مورد تعطيل ديون تأمين احتياطي وتجهيز الذات لمرحلة اضطراب عالمي قادم.
هناك أرسلت واشنطن رسالة واضحة:
يمكن إعادة ترتيب سوق الطاقة بالقوة دون إعلان حرب.
لكن فنزويلا لم تكن سوى البداية.
إيران ومضيق هرمز: العقدة الأخطر
إيران ليست فقط دولة منتجة للنفط بل عقدة جيوسياسية تتحكم بأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز.
أكثر من ثلث تجارة النفط العالمية تمر من هناك.
أي توتر ولو مؤقتًا كفيل بإرباك الأسواق ورفع الأسعار وتعطيل سلاسل التوريد وضرب الاقتصادات الصناعية في الصميم.
وفي مقدمتها… الصين.
لهذا لا يمكن فهم التصعيد ضد إيران بمعزل عن هذا السياق.
القضية ليست البرنامج النووي وحده ولا أمن إسرائيل فقط بل موقع إيران في معادلة الطاقة العالمية وتحالفها الاقتصادي العميق مع بكين.
الشرق الأوسط: من لاعب إلى ساحة
وسط هذا المشهد المعقد يقف الشرق الأوسط في قلب العاصفة لا بوصفه صانع قرار بل بوصفه ساحة مفتوحة.
روسيا تُستنزف في أوكرانيا.
الصين تُحاصر اقتصاديًا.
إيران تُضغط من الداخل والخارج.
إسرائيل توسّع نفوذها في فراغ عربي مقلق.
ودول المنطقة تتصارع على النفوذ بينما تُدار اللعبة الكبرى فوق رؤوسها.
السيناريو القادم: ماذا ينتظر المنطقة؟
المرحلة المقبلة مرشحة لثلاثة مسارات متداخلة
تصعيد محسوب في بؤر الطاقة توترات متقطعة إغلاقات جزئية وحروب بالوكالة دون انفجار شامل.
إعادة رسم النفوذ الإقليمي دول ستضعف وأخرى ستُستخدم كقواعد نفوذ وثالثة ستُترك للفوضى.
ضغط اقتصادي خانق ارتفاع أسعار الطاقة تآكل العملات وزيادة الاعتماد على القوى الكبرى.
لن تكون الحرب القادمة شاملة في بدايتها لكنها ستكون طويلة مُنهكة وتدور رحاها هنا.
سؤال التاريخ المفتوح
ما نعيشه اليوم يُشبه إلى حد مخيف اللحظات التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية
توترات متراكمة تحالفات متغيرة وصراعات تُدار على الهامش قبل الانفجار الكبير.
الفرق الوحيد أن ساحة المعركة هذه المرة… هي منطقتنا.
السؤال الذي سيطرحه التاريخ لاحقًا لن يكون:
ماذا حدث؟
بل:
هل رأيناه قادمًا… أم اكتفينا بالمشاهدة؟