facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




Brexit .. حين تنتصر الشعبوية سياسيًا وتتعثر الدولة اقتصاديًا


المحامي محمد مروان التل
07-01-2026 05:20 PM

لم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مجرد تعديل في سياستها الخارجية، بل شكّل لحظة كاشفة لتحولات أعمق في المزاج السياسي الغربي، حيث تَقدَّم الخطاب الشعبوي على حساب الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى. فقد جرى تسويق الخروج بوصفه استعادة للسيادة الوطنية، في خطاب بسيط ومباشر، نجح في حشد الرأي العام، لكنه تجاهل تعقيدات الاقتصاد السياسي في عالم مترابط.

سياسيًا، استعادت المملكة المتحدة جزءًا معتبرًا من استقلالها التشريعي، وتحررت من منظومة القرار الجماعي الأوروبي، وهو ما اعتبره أنصار الخروج انتصارًا للديمقراطية المباشرة وإرادة الناخب. غير أن هذا الانتصار كشف في الوقت ذاته حدود الاستفتاءات الشعبية حين تُستخدم لحسم قضايا تقنية شديدة التعقيد، تتطلب توافقات مؤسسية لا قرارات ثنائية حادة.

اقتصاديًا، بدا الثمن أكثر وضوحًا. فالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي لم تكن مجرد عضوية سياسية، بل شبكة مصالح متشابكة، وانفكاك بريطانيا عنها أدّى إلى تراجع الاستثمارات، وتعقيد التجارة، وارتفاع كلف الإنتاج، في وقت بقي فيه الاتحاد الشريك التجاري الأهم. هنا، لم تكن المشكلة في مبدأ السيادة، بل في الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي.

الأخطر في تجربة Brexit أنها أعادت تعريف السيادة بوصفها حالة انفصال، لا أداة إدارة ذكية للاعتماد المتبادل. ففي النظام الدولي الحديث، لا تُقاس قوة الدول بمدى انسحابها من التكتلات، بل بقدرتها على التأثير من داخلها، وتوجيه قواعدها بما يخدم مصالحها الوطنية. الدول الكبرى لا تخرج من المنظومات الدولية، بل تعيد تشكيلها.

من هذه الزاوية، تبدو تجربة الدول الاقل موارد و قدرات أكثر واقعية. فدولة مثل الأردن، رغم محدودية الموارد وضغوط الجغرافيا السياسية، اختارت مسار الشراكات المرنة، دون اندماج سياسي كامل أو قطيعة اقتصادية مكلفة. هذا النهج البراغماتي، وإن بدا أقل صخبًا، أثبت قدرة أعلى على التكيّف وتخفيف الصدمات.

إن الدرس الأبرز من Brexit لا يتمثل في إدانة الخروج أو تمجيده، بل في التحذير من تحويل السيادة إلى أداة تعبئة جماهيرية دون برنامج اقتصادي واضح. فالديمقراطية، حين تُختزل في صندوق اقتراع بلا رؤية استراتيجية، قد تنتج قرارات شرعية لكنها مكلفة، وتفتح الباب أمام أزمات طويلة الأمد.

في المحصلة، ربحت بريطانيا معركة الخطاب السياسي، لكنها ما زالت تدير تبعات قرار اقتصادي معقّد. أما الدول التي تراقب هذه التجربة، فعليها أن تدرك أن السيادة الحقيقية لا تُقاس بالانسحاب من التكتلات، بل بالقدرة على الاختيار العقلاني، والموازنة بين الإرادة الشعبية ومتطلبات الدولة الحديثة. فالسيادة ليست صرخة سياسية… بل قرارًا محسوبًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :