حين تتحوّل حقوق الإنسان إلى أداة ضغط سياسي
د.مروان الشمري
07-01-2026 06:36 PM
* قراءة نقدية في خطاب DAWN حول الأردن
في السنوات الأخيرة، برزت DAWN كإحدى أبرز المنظمات الأمريكية التي تنتقد أوضاع الحكم وحقوق الإنسان في العالم العربي. ويحتل الأردن موقعًا متقدمًا في تقاريرها وبياناتها، إلى حدّ يوحي أحيانًا بأن المملكة تمثّل نموذجًا صارخًا لانتهاكات الحقوق والحريات. غير أن قراءة متأنية لخطاب DAWN تكشف عن إشكاليات منهجية وتحليلية تستحق النقاش، بعيدًا عن منطق الدفاع أو التخوين.
أول هذه الإشكاليات أن DAWN ليست منظمة بحثية محايدة، بل كيانًا مناصِرًا (Advocacy Organization) يهدف أساسًا إلى التأثير على صانع القرار الأمريكي. هذا التموضع ينعكس مباشرة على لغتها، واختيارها للملفات، وطريقة عرضها للوقائع. فالغاية هنا ليست تقديم صورة متكاملة عن الواقع الأردني، بل بناء سردية ضاغطة تُستخدم في أروقة الكونغرس والإدارة الأمريكية، وخصوصًا في ملف ربط المساعدات بالإصلاحات السياسية.
الإشكالية الثانية تتمثل في اختزال السياق. فغالبًا ما تتعامل DAWN مع الأردن كحالة قانونية مجردة، منفصلة عن بيئتها الإقليمية المعقّدة. لا يُعطى وزن كافٍ لموقع الأردن الجغرافي، ولا لدوره في محيط مشتعل بالصراعات، ولا للأعباء الديموغرافية والاقتصادية الناتجة عن استضافة ملايين اللاجئين. تُطبَّق معايير ليبرالية غربية صارمة، كما لو أن الدولة تعمل في بيئة مستقرة خالية من التهديدات الأمنية والتوازنات الاجتماعية الحساسة.
كما تعاني تقارير DAWN من تحيّز انتقائي في الأدلة. إذ غالبًا ما تُبنى الأحكام العامة على حالات فردية أو قضايا محدودة، دون تقديم بيانات شاملة أو اتجاهات زمنية أو مقارنات إقليمية دقيقة. تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وتُستخلص استنتاجات واسعة من وقائع جزئية، ما يضعف القيمة التحليلية للتقرير ويُضخّم الانطباع السلبي.
إضافة إلى ذلك، تتبنى DAWN مقاربة ساكنة للإصلاح، لا تعترف بمفهوم التغيير التدريجي أو المسارات التاريخية المعقّدة للدول. فكل إصلاح لا يرقى إلى التحول الجذري يُصنّف فورًا على أنه “تجميلي” أو “شكلي”، متجاهلة أن التجارب المقارنة تُظهر أن التحولات الفجائية غالبًا ما تقود إلى عدم الاستقرار أو الانهيار المؤسسي.
ولا يمكن إغفال ازدواجية المعايير في الخطاب الحقوقي. فالأردن، بوصفه حليفًا لواشنطن ومنفتحًا نسبيًا على النقد، يصبح هدفًا مفضّلًا للضغط، في حين تُعالج أوضاع دول أكثر قمعًا بلغة أخف أو باهتمام أقل، لأنها ببساطة أقل قابلية للتأثير. هنا، لا يكون معيار الحقوق وحده هو المحدِّد، بل حسابات النفوذ والجدوى السياسية.
الأكثر إشكالية هو تسييس ملف حقوق الإنسان عبر الدعوة الصريحة لربط المساعدات الاقتصادية بالإصلاحات. فهذه المقاربة تتجاهل الأثر العكسي المحتمل لمثل هذه السياسات، إذ قد تؤدي إلى إضعاف الدولة اقتصاديًا ومؤسسيًا، ما يحدّ من قدرتها أصلًا على تنفيذ أي إصلاحات حقيقية، ويحمّل المجتمع كلفة اجتماعية باهظة.
لا يعني هذا أن الانتقادات الحقوقية للأردن بلا أساس، أو أن الواقع مثالي وخالٍ من الإشكالات. لكن تحويل حقوق الإنسان إلى أداة ضغط سياسي أحادي، دون فهم السياق أو تقدير العواقب، يفرغ الخطاب الحقوقي من بُعده الأخلاقي، ويحوّله إلى وسيلة سياسية انتقائية.
إن الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان لا يكون عبر التقارير التصادمية وحدها، بل من خلال مقاربات واقعية، سياقية، وتشاركية تُوازن بين الإصلاح والاستقرار، وبين المبادئ والوقائع. أما الخطاب الذي يتجاهل هذه المعادلة، فإنه قد ينجح في لفت الانتباه، لكنه يفشل في إحداث تغيير مستدام.