الأفق الأوروبي من تأسيس الندية إلى هندسة الشراكة
سامح المحاريق
08-01-2026 12:13 AM
يحظى الأردن بمكانة متميزة لدى منظومة الاتحاد الأوروبي من جهة، وفي العلاقات البينية مع الدول الأوروبية من جهة أخرى، وبدايةً فهذه الحقيقة لا يمكن تصنيفها بالقوالب الجاهزة التي يمكن قولها قبيل القمة الأردنية – الأوروبية، ولكنها تقرير حيادي يأتي ثمرة نشاط سياسي ودبلوماسي متعدد المراحل والمستويات تمكن من التأسيس على سمعة الأردن المرموقة وتراثه في الفضاء المعقد والمتشابك للعلاقات الدولية، ومواقفه الداعية بصورة دائمة لإحلال السلام والاستقرار بوصفهما جزءًا أصيلًا وتأسيسيًا لما يجب أن يكون عليه المجتمع الدولي.
المنظومة الكلية التي تجمع الأردن بالاتحاد الأوروبي تقوم على تشارك الكثير من القيم وانفتاح الأردن على الأوروبيين من خلال خطاب معتدل ومتوازن وواقعي، وتفهم الأردن لضرورة التنمية بوصفها مفتاحًا للحل لأزمات كثيرة في الفضاء العربي – الأوروبي، وكان للأردن الدور الحيوي والمحوري في الحرب على الإرهاب ليس على أرضية العمل الأمني وحده، ولكن في بناء قيمي أطلقته رسالة عمان وجهود المملكة في تمثيل الإسلام المعتدل، وهو النموذج الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي في مرحلة تشهد جدلًا داخليًا يتعلق بسياسات الاندماج التي شهدها، والتي أصبحت قضية مركزية في الانتخابات داخل أكثر من بلد أوروبي، وسؤالًا وجوديًا مفتوحًا.
على هذه الأرضية يمكن القول إن الأردن أصبح مع الوقت شريكًا موثوقًا يمكن أن يبحث عن فرص اقتصادية تستثمر رأسماله الأكثر استقرارًا من الشباب الواعد الذي يمكن أن يرفد أسواق العمل الأوروبية في المستقبل، وذلك من خلال تمثيله لبيئة من القيم الأردنية التي تتمازج فيها الأصالة والمعاصرة، وهو ما يجب أن يتكامل مع جهود للارتقاء بقدرات وإمكانيات الشباب وفقًا لمدخل تشاركي يستند إلى رؤية مشتركة تعمل على تنمية العامل البشري ليكون محركًا لتنمية متوازنة وعادلة.
أما العلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية، فتأتت نتيجة الحراك الملكي المتواصل الذي سعى لتبادل الآراء السياسية، وتوضيح المواقف العربية لدى الكثير من الدول الأوروبية، ووضعها أمام المسؤوليات الملحة التي يتوجب تفعليها لضمان الأمن والاستقرار في العالم والتخفيف من حالات التوتر وتجنب الصدام، وكان لرأي جلالة الملك ورؤيته تأثيرهما الكبير في هذه العلاقات خاصة في الظروف التي شهدت تجاذبات سياسية في الأوساط النخبوية الأوروبية، ومنها الحرب على غزة، فكانت لهذه الزيارات دورها في إعادة التموضع الأوروبي.
هذه العلاقات المتميزة التي تتواصل برعاية ملكية وجهود دبلوماسية تدخل مرحلة من التأطير في القمة المرتقبة لتكتسب بنية إجرائية لتأسيس صيغة من العمل المشترك التي تعود بالمنفعة على الطرفين، فالأوروبيون يبحثون عن الشريك الذي يمكن طرحه بوصفه مدخلًا لحقبة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية من غير تبعية أو إملاء المواقف، ويبدون منفتحين أكثر من أي وقت ماضٍ لفكرة الندية في التعامل،وهذه المعطيات تجعل التقدم تجاه تهيئة بنية استثمارية يستفيد منها الأردن ومواطنوه ومؤسساته وبناه المختلفة واعدة بصورة غير مسبوقة، وهذه المعادلة بين الأردن الشاب والمتوثب وبين أوروبا التي تعيش تحديات تتعلق بالمجتمع وتركيبته العمرية والثقافية تبدو منتجة في ظل وجود مرجعية تمنح لهذه العلاقة إطارها العام القائم على خطاب ملكي أردني طالما كان منحازًا للسلام والاستقرار والبناء والاهتمام بالتحديات المشتركة أمام الإنسانية من الإنتاج وقيمه إلى المحافظة على المناخ وصولًا إلى تعزيز قيم الانفتاح والتسامح والحوار البناء، ويمكن في هذه المرحلة أن تترجم هذه القيم المشتركة إلى عمل على الأرض يتلمس آثاره الإيجابية الطرفان بصورة متوازنة وواعدة.
"الرأي"