facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بدل ان يطولها التفريط والتجاهل "لماذا لاتنبض ابنية السلط التراثية بالحياة"


م. عبد الغني طبلت الايوبيين
08-01-2026 10:00 AM

رؤية مستقبلية لوسط المدينة التاريخي

لطالما شكّل الحجر الأصفر لأبنية السلط التراثية شاهداً حياً على مدينة عريقة ضاربة في عمق التاريخ، غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحفاظ الشكلي على هذه الأبنية فحسب، بل في كيفية تحويلها من «أيقونات جامدة» إلى «أبنية نابضة» بالحياة، مفعمة بالنشاط، ومشعة بالحضور الإنساني اليومي.

إن مقولة «لمَاذا لا تنبض أبنية السلط التراثية بالحياة؟» لا تُطرح كشعار عابر أو طرح إنشائي، بل كـرؤية استراتيجية واعية تهدف إلى إعادة توطين الحياة في وسط المدينة التاريخي، بحيث يصبح مأهولاً بسكانه ومكتظاً بمرتاديه. وتتحقق هذه الرؤية عبر تداخلٍ بينيٍّ ذكي يجمع عبق الماضي بذكاء المستقبل، إذ إن الحل لا يقتصر على الترميم الإنشائي، بل يتجاوزه إلى تطويع العقود والجدران الحجرية السميكة لتتماهى مع معطيات الحياة المعاصرة، وتتحول إلى أبنية ذكية Smart Buildings من خلال دمج الأنظمة التقنية الحديثة ضمن بنيتها، دون المساس بهويتها البصرية الأصيلة.

وتبرز القيمة الجمالية لهذه المقاربة من خلال خلق ما يمكن تسميته بـ«التضاد الجمالي» Aesthetic Contrast بين التصميم الداخلي الحديث والمظهر الخارجي التقليدي للحجر الأصفر. فإدخال قطع أثاث فائقة الحداثة Ultra-Modern ذات خطوط انسيابية بسيطة أسفل العقود الحجرية المتقاطعة، من شأنه أن يخلق مشهداً بصرياً مبهراً يُبرز صلابة الحجر الأصفر في مواجهة ليونة المعدن ونعومة الزجاج، مع أهمية قصوى لاستثمار الارتفاعات الداخلية العالية بأفضل الطرق الوظيفية والجمالية الممكنة.

إن إحياء وسط مدينة السلط التاريخي يتطلب مبادرة مؤسسية جريئة تستند إلى غطاء تشريعي واضح يتيح اتخاذ القرار. وتنطلق هذه المبادرة من اعتبار الحجر الأصفر – بوصفه ميزة تراثية إيجابية راسخة – عنصراً داعماً لا عائقاً أمام فتح الباب أمام التكييف الوظيفي Adaptive Reuse وتغيير صفة استعمال الأبنية التراثية بما يلبي متطلبات العصر. ومن شأن ذلك أن يفتح المجال لاستقطاب أعداد معتبرة من الأسر الناشئة، والفئات الشبابية، والمثقفين، وأبناء الطبقة الوسطى، إضافة إلى المستثمرين، ما سيؤدي إلى خلق هجرة عكسية مستدامة نحو وسط المدينة التاريخي، تُعيد إليه حيويته وألقه، وتجعله نموذجاً رائداً على مستوى المملكة.

وفي هذا النموذج، سيعيش المنتفع داخل بناء يتجاوز عمره مائة عام، لكنه سيتمكن من إدارة شؤونه اليومية بكبسة زر من هاتفه الذكي، في تجسيد حيّ لمعنى أن الأصالة هي الوعاء الأجمل للمعاصرة.

ورغم محدودية أثر التكييف الوظيفي على الشكل الخارجي للأبنية، إلا أنه يعيد تعريف الفراغات الداخلية ويحدد وظيفة كل منها بدقة. فأبنية السلط التراثية، بما تمتاز به من سماكة في الجدران، ستخضع حتماً لمبدأ «التدخل غير الجراحي»، بحيث تُدمج شبكات الكهرباء والاتصالات والمياه والتكييف بأساليب غير ظاهرة، وباستخدام أدوات وتقنيات تمنع أي تداخل مع الجدران الحاملة أو المساس بكيانها الإنشائي، ما يحول هذه الأبنية إلى بيئات سكنية ومكتبية ومهنية مثالية تلبي متطلبات القرن الحادي والعشرين.

وتدعم هذه الرؤية نماذج حية وملهمة، كما في أحياء «الجميزة» و«مار مخايل» في وسط بيروت التاريخي، حيث جرى تحويل مبانٍ عثمانية قديمة إلى شقق علوية Lofts مجهزة بأحدث التقنيات الذكية، ما جعلها من أكثر المناطق جذباً للشباب والمستثمرين. وعلى الصعيد العالمي، تبرز تجربة مدينة «ماتيرا» الإيطالية التي كانت مهجورة بالكامل، ثم تحولت عبر خطة «الفنادق والبيوت المنتشرة» إلى مدينة ذكية تقطنها أرقى الطبقات المجتمعية، مع المحافظة الصارمة على طابعها التراثي.

إن تطبيق مثل هذه الخطط والمشاريع والبرامج الناجحة على وسط مدينة السلط التاريخي، ولا سيما الأبنية التراثية الواقعة على المسار السياحي في مناطق شارع الحمام والخضر والميدان، سيحولها من مناطق «تاريخية صامتة» إلى «مراكز حضرية نابضة». وهو ما سيعزز الرغبة لدى شرائح واسعة من أبناء المدينة في العودة للسكن والعمل في وسطها التاريخي، مؤكداً أن هوية مدينة السلط حية، ممتدة، وغير قابلة للتحلل أو الذوبان أو النسيان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :