الذهب لم يعد الخيار الوحيد .. الفضة تستحق الاهتمام
رامي خريسات
08-01-2026 04:37 PM
شهدت أسواق المعادن النفيسة في عام 2025 تحولاً تاريخياً في الأداء السعري، حيث تصدر الذهب والفضة قائمة الأصول الأعلى عائداً، مدفوعين بضعف الدولار، وتحولات السياسة النقدية العالمية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية. وقد اخترق سعر أونصة الذهب حاجز 4,500 دولار، مسجلاً أعلى مستوى في تاريخه، بمكاسب سنوية تقارب 70 %.
أما الفضة، التي لطالما كانت أقل حضوراً في الثقافة الادخارية الاستثمارية الأردنية، فقد قادت موجة الصعود بوتيرة أعلى، بعدما اخترقت مستوى 80 دولاراً للأونصة للمرة الأولى في تاريخها، مسجلة منذ بداية العام مكاسب تجاوزت 180 %، ومتخطيةً بذلك قمماً تاريخية سابقة.
وقد أعاد هذا الأداء الاستثنائي تسليط الضوء على مؤشر نسبة الذهب إلى الفضة (Gold-to-Silver Ratio)، المستخدم لقياس القيمة النسبية بين المعدنين. فبعدما تراوح متوسط هذه النسبة خلال العشرين عاماً الماضية بين 70 و75 أونصة فضة مقابل أونصة ذهب واحدة، تراجعت مع الصعود القوي للفضة في 2025 إلى نطاق يقارب 60–65، في دلالة واضحة على تفوق الفضة واقترابها من مستويات سعرية تؤهلها لردم الفجوة التي مالت لصالح الذهب خلال الأعوام الخمسة الماضية.
لم تكن العوامل الدافعة لهذا الصعود ظرفية، بل جاءت نتيجة مزيج من المتغيرات الهيكلية. وفي مقدمتها ضعف الدولار، وتزايد رهانات الأسواق على خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026 في حال تباطؤ الاقتصاد أو تراجع التضخم، إلى جانب استمرار البنوك المركزية في تعزيز احتياطياتها من الذهب بهدف تقليص الاعتماد على الدولار، فضلاً عن تصاعد المخاطر الجيوسياسية واستمرار حالة عدم اليقين العالمي.
صناعياً لعب الطلب دوراً محورياً بعدما بدأت الولايات المتحدة تصنّف الفضة ضمن المعادن الحرجة، نظراً لدخولها في الصناعات الكهربائية، والسيارات، وخوادم الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، وذلك بالتزامن مع شح المعروض، وتراجع المخزونات العالمية، وإعادة تسعير مخاطر عام 2026.
وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية، جاءت القرارات الحكومية السيادية، وفي مقدمتها توجه الصين إلى اشتراط موافقتها المسبقة على تصدير الفضة اعتباراً من مطلع عام 2026، كعامل إضافي يعزز الضغوط الصعودية على الأسعار.
مع ذلك، تبقى الفضة أكثر حساسية للتصحيحات السعرية مقارنة بالذهب، كما ظهر أخيراً مع قيام بورصة شيكاغو برفع متطلبات الهامش، مما اضطر المستثمرين إلى التسييل وخفض مستويات الرافعة المالية، الأمر الذي انعكس تراجعاً وقتياً في الأسعار لأسباب فنية بحتة لا تمت للأساسيات بصلة. وبالتالي فإن أي تصحيحات سعرية محتملة خلال المرحلة المقبلة تُعد صحية من منظور السوق، وقد تمثل فرص دخول جديدة للمستثمرين.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هيكل الادخار والاستثمار لدى الأفراد والمؤسسات في الأردن، حيث ظل الذهب لعقود طويلة أداة التحوط شبه الوحيدة. غير أن التحولات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الفضة لم تعد معدناً تابعاً لحركة الذهب، بل أصبحت أصلاً استثمارياً قائماً بذاته، يجمع بين وظيفة التحوط والدور الصناعي المتنامي.
إدراج الفضة ضمن محافظ الادخار والاستثمار لا يعني استبدال الذهب، بل استكماله، بما يحقق تنويعاً أكثر كفاءة ويخفف من المخاطر في بيئة تتسم بارتفاع التقلبات التجارية بين الدول العظمى. وفي هذا الإطار، فإن المستثمرين والمدخرين الذين يمتلكون ذهباً بأسعار قديمة أو يحتفظون بمدخرات نقدية، من المناسب لهم دراسة خيار «جني جزئي للأرباح» وإعادة توجيه جزء منها نحو الفضة، ويفضل أن يكون ذلك عبر سبائك مختومة تجنباً لخسائر كلفة المصنعية.
الذهب بات مكلفاً على شريحة واسعة من الأردنيين، في حين تتيح الفضة لفئات مجتمعية جديدة فرص الدخول إلى الاستثمار بمبالغ أقل، مع آفاق نمو قد تكون أقوى خلال عام 2026، ما يجعلها أداة فعّالة التنويع.
الغد