facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين نطير بأجنحة الذكاء الاصطناعي .. من سيبني السُلّم؟


د. رائد عودة
10-01-2026 01:54 PM

ثمة أمرٌ لا يحظى بالاهتمام الكافي في نقاشاتنا حول إنتاجية الذكاء الاصطناعي: نحن لا نكتفي بأتمتة المهام، بل نفكك بصمتٍ المسار أو السُلّم الذي يسلكه الأفراد لتطوير مهاراتهم والوصول إلى الإتقان.

تخيل موظفاً جديداً يقدم تقريراً «مثاليا» أنجزه الذكاء الاصطناعي خلال دقائق، لكنه يعجز عن الدفاع عن فكرة واحدة فيه أو إجابة سؤال المدير: «ما الذي استندتَ إليه في هذا الطرح؟». هذا هو جوهر المشكلة. فلطالما اتسمت كل مهنة احترافية بتدرّج طبيعي يبدأ بالقيام بالأعمال الأساسية والروتينية، مثل إعداد الوثائق، وتنظيم الملفات، وتحضير المسودات الأولية، وإجراء الفحوصات الروتينية. وقد تبدو هذه المهام للوهلة الأولى بسيطة وعادية، لكنها في الواقع الحاضنة التي يُصقل فيها الحسّ المهني.

في تلك المرحلة، نتعلم كيف يبدو العمل المتقن قبل أن نقدر على شرح أسباب جودته، ونصقل ذوقنا المهني، ونتلقى تغذية راجعة مباشرة من الزملاء والمشرفين والعملاء. ومع تراكم هذه النجاحات الصغيرة، تترسخ الثقة والمصداقية التي تفتح الأبواب أمام أعمال أكثر أهمية وتأثيرا.

أما اليوم، ومع الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأت تلك المرحلة تنحسر. فحين يُنجز الذكاء الاصطناعي مسودة أولية متقنة خلال لحظات، تقل فرص المبتدئين في التعلّم بالممارسة ضمن أدوار مدفوعة الأجر. وهنا تبرز المفارقة: تبدو فرق العمل أكثر إنتاجية على الورق، لكنها تصبح أقل كفاءة في الواقع. إذ سيجد الموظفون ذوو الخبرة أنفسهم منشغلين بتصحيح أخطاء لم يلحظها المبتدئون الذين اعتمدوا كليا على الآلة.

وقد يجادل البعض بأن هذه الأدوات تمنح العمل المهني طابعا أكثر ديمقراطية عبر تسهيل الدخول إلى المجال. وهذا صحيح، لكن تيسير الوصول إلى النتائج لا يعني امتلاك الخبرة، إذ إن تمكين الفرد من إنتاج مخرجات تبدو احترافية لا يعني بالضرورة جعله «محترفا» يدرك جوهر ما يقدمه.

ونحن نرى ذلك يتجلى بالفعل في مهن عديدة. ففي قطاع الاستشارات، كان الموظفون الجدد يتعلمون عبر بناء المسودة الأولى: من تحليل البيانات وبناء السياق القصصي، ووصولًا إلى إعداد العرض التقديمي. وفي مهنة المحاماة، كان التعلم يتم عبر البحث والصياغة الأولية ومراجعة النصوص. وفي هندسة البرمجيات، كانت البداية بمهام برمجية بسيطة، وإصلاح الأعطال، وإجراء الاختبارات ومراجعة الشيفرات. نعم، لقد سرّع الذكاء الاصطناعي التوليدي كل ذلك، لكنه قلّص في الوقت نفسه مساحة الممارسة التي يبني فيها الأفراد المهارات الأساسية.

وأمام هذا الواقع، لا جدال في أن هذه الأدوات تعزز الإنتاجية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من سيتحمل التكلفة حين تختفي الوظائف المخصصة لبداية المسار المهني؟ وكيف سيُبنى حُسن التقدير إذا ألغينا التدرّج الذي كان يغرس هذه الموهبة؟

والحل ليس معقدا، ولكنه يتطلب إرادة مؤسسية وسياسات واضحة. إذ يمكن للحكومات تحفيز الشركات بحوافز مشروطة ببرامج تدريب الخريجين الجدد. وعلى النقابات المهنية ألا تقف موقف المتفرج، بل عليها مسؤولية حماية «أسرار المهنة» من الاندثار خلف برمجيات الأتمتة، عبر إلزام المؤسسات بوضع برامج تدريبية تفرض على المبتدئين تفكيك مخرجات الآلة وإعادة تركيبها بشريا، لضمان انتقال الحكمة المهنية من الجيل الخبير إلى الجيل الجديد.

كما ينبغي للمؤسسات بناء مسارات خاضعة للإشراف يشارك فيها المبتدئون في مهام المراجعة والتدقيق النوعي والمساهمة في اتخاذ القرار قبل أن تُسند إليهم مسؤولية النتائج النهائية. وعلى الجامعات أن تدرك أن مهمتها لم تعد منح شهادات في «كيفية الاستخدام»، بل في «كيفية الفهم» عبر تحويل المختبرات والقاعات إلى ساحات لمحاكاة أخطاء الذكاء الاصطناعي وتعليم الطلبة كيفية تصويبها، ليدخلوا سوق العمل وهم يملكون «البصيرة» لا مجرد المهارة التقنية.

إن هذا المقال هو دعوة للاستدامة المهنية. ففي بلد كالأردن يفتخر بجيل شاب متمكّن تقنيا، ويطمح إلى تعزيز مكانته كمركز إقليمي للابتكار، لا يمكننا تحمل تبعات تآكل المهارات الأساسية.

إن الجدارة لا تُبنى إلا عبر سنوات من التدرّج والتعلّم في الميدان. فلنتذكر أن التكنولوجيا قد تمنحنا أجنحة للتحليق سريعا نحو النتائج، لكنها لن تغنينا أبدا عن «السُلّم» الذي يعلّمنا كيف نقف بثبات على أرض الخبرة.

*مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية، المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا - قائم بأعمال رئيس المركز الوطني للابداع





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :