المرأة الأكاديمية سياسياً .. أيّ حضور نريد ؟
د. سناء العبابنة
10-01-2026 05:39 PM
لم يعد حضور المرأة الأكاديمية في الحياة السياسية مسألة تمثيل رمزي أو استجابة لخطاب حقوقي عابر، بل أصبح ركيزة من ركائز بناء الدولة الحديثة، خصوصًا في ظلّ رؤى التحديث السياسي التي يقودها جلالة الملك، والتي تنطلق من قناعة راسخة بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحديث العقل السياسي، لا من تغيير الوجوه فحسب. وفي هذا السياق، تبرز المرأة الأكاديمية بوصفها شريكًا فاعلًا في مشروع وطني يسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات وسيادة القانون.
تؤكد الرؤية الملكية للتحديث السياسي على توسيع قاعدة المشاركة، وتعزيز الحياة الحزبية، وبناء نخب سياسية مؤهلة تمتلك الوعي والكفاءة والقدرة على العمل البرامجي. وهنا تتجلّى أهمية المرأة الأكاديمية، لا باعتبارها فئة مستهدفة بالتمكين، بل باعتبارها رصيدًا معرفيًا قادرًا على رفد المشروع الإصلاحي بمضامين فكرية وسياسات عامة قائمة على التحليل والدراسة، لا على الارتجال والمزايدات.
إن انخراط المرأة الأكاديمية في هذا المسار يعزّز أحد أهم مرتكزات التحديث السياسي: الانتقال من السياسة الانفعالية إلى السياسة العقلانية. فهي تمتلك أدوات البحث والتفكير النقدي التي تمكّنها من الإسهام في صياغة برامج حزبية واقعية، وممارسة دور رقابي وتشريعي واعٍ، والمشاركة في حوارات وطنية تستند إلى المعرفة لا إلى الانقسام. كما أن حضورها يُسهم في إعادة الثقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية، عبر تقديم نموذج قيادي مختلف، يقوم على النزاهة والكفاءة والمساءلة.
غير أن التحديث السياسي، كما تطرحه الرؤية الملكية، لا يكتمل بمجرد فتح الأبواب أمام مشاركة المرأة، بل يتطلّب إعادة تعريف نوعية هذه المشاركة. فالمطلوب ليس امرأة تُستحضر لتكريس صورة حداثية شكلية، بل امرأة تمتلك استقلالًا فكريًا، ووعيًا وطنيًا، وقدرة على تحويل المعرفة الأكاديمية إلى سياسات قابلة للتنفيذ. امرأة تؤمن بأن الإصلاح عملية تراكمية، وبأن الاختلاف لا يُدار بالصدام بل بالحوار المؤسسي.
في هذا الإطار، تصبح المرأة الأكاديمية عنصرًا محوريًا في إنجاح مشروع التحديث السياسي، لأنها تمثّل الجسر بين الفكر والممارسة، وبين الرؤية الملكية والطموح المجتمعي. فهي قادرة على ترجمة مبادئ المشاركة، والمساءلة، وتكافؤ الفرص إلى تشريعات وبرامج عمل، وعلى إدماج قضايا التعليم والبحث العلمي وتمكين الشباب في صلب الأجندة السياسية الوطنية.
خلاصة القول، إن رؤى جلالة الملك في التحديث السياسي تفتح أفقًا جديدًا لدور المرأة، لكنها في الوقت ذاته تضع مسؤولية مضاعفة على المرأة الأكاديمية تحديدًا. فالحضور السياسي المطلوب اليوم هو حضور نوعي، واعٍ، ومؤهل، يُسهم في بناء نخبة سياسية جديدة، ويجعل من مشاركة المرأة إضافة حقيقية لمسار الإصلاح، لا مجرّد عنوان له. وحين تكون المرأة الأكاديمية جزءًا أصيلًا من هذا المشروع، فإن التحديث السياسي يتحوّل من رؤية إلى ممارسة، ومن شعار إلى واقع ملموس.