لم تكن موجة الغضب الشعبي التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي حدثا عابرا او انفعالا لحظيا، بل جاءت تعبيرا صريحا عن وجدان أردني مُثقل باتساع الفجوة بين وضوح الرؤية الملكية وبين أداء بعض من يتولون مواقع المسؤولية العامة. هذه الفجوة لم تعد مسألة خطاب او اختلاف في التقدير، بل تحولت الى ازمة ارادة تنفيذية واختلال في الالتزام الاخلاقي لدى من أُنيطت بهم مسؤولية الخدمة العامة.
جلالة سيد البلاد حفظه ورعاه عبّر بوضوح لا يقبل التأويل حين اكد ان: “العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص هي الاساس الذي نريد ان تقوم عليه مؤسسات الدولة.” وشدد كذلك على ان: “المسؤول الذي لا يعمل ولا يخدم الناس… لا مكان له.” وفي السياق ذاته، أكد جلالته ان: “ستبقى مبادئ العدالة والشفافية وتساوي الفرص القيم التي نهتدي بها لصنع المستقبل.” كما دعا بوضوح الى اصلاح اداري عميق حين قال: “لا بد من الإسراع في تحديث القطاع العام، وصولا الى ادارة عامة كفؤة وقادرة على تقديم الخدمات النوعية للمواطنين بعدالة ونزاهة… وهذا نهج يجب ان يلتزم به كل مسؤول وموظف.”
هذه التوجيهات ليست عبارات انشائية ولا رسائل بروتوكولية، بل تمثل معايير حكم وقواعد ادارة واضحة. ومع ذلك، لا يزال بعض المسؤولين يتعاملون مع المنصب العام وكأنه امتياز شخصي او ملكية خاصة، لا تكليفاً وطنياً ولا امانة تستوجب المساءلة امام الله والناس والدستور.
القضية ليست في تعيين اخ او اخت وزير او صديق او نسيب، ولا في اسم بعينه، بل في النهج الذي يسمح بذلك، وفي العقلية التي ما تزال تنظر الى الدولة باعتبارها شبكة مصالح لا منظومة مؤسسات. المشكلة الحقيقية تكمن في من يرفعون شعارات الولاء بينما يمارسون نقيضها، وفي من يبدون الامتثال امام جلالة الملك ثم يعودون الى السلوكيات ذاتها التي ارهقت الدولة واضعفت ثقة المجتمع وقوّضت الاحساس بالعدالة.
الاصلاح الحقيقي لا يحتاج خطابات اضافية ولا مزيدا من الوعود. يحتاج التزاما صارما بما طُرح سابقا، وتنفيذا دقيقا لما طُلب بوضوح. يحتاج محاسبة فورية، وقطعا جذريا مع كل اشكال المحاباة والتعيين القائم على العلاقات، وتمكينا فعليا للكفاءات. فالدولة لا تُبنى بالاستثناءات، ولا تُصان بالمجاملات، ولا تُدار بالحلول المؤقتة.
الاردنيون اليوم لا يطالبون بالمستحيل، ولا يسعون الى ما يفوق قدرة الدولة. مطلبهم بسيط وواضح: ان تتطابق الافعال مع الاقوال، وان تتحول التوجيهات الملكية الى قرارات نافذة لا بيانات، والى ممارسات راسخة لا شعارات. يريدون دولة تُدار بالكفاءة لا بالقرابة، وبالحق لا بالمحاباة.
فالاردن اكبر من الاشخاص والمناصب، وابقى من كل من يظن ان الكرسي امتيازا دائما او ملكية خاصة. هذا الوطن يستحق من يخدمه باخلاص، لا من يستغله، ومن ينهض به بمسؤولية، لا من يثقل كاهله.
حفظ الله الأردن ومليكه، وحمى مؤسساته، وصان ثقة شعبه..