الدبلوماسية الواقعية في مواجهة الأيديولوجيا
صالح الشرّاب العبادي
23-02-2026 06:57 PM
كيف تتحول المعرفة الميدانية بالأردن إلى عنصر قوة في ضبط الخطاب الأمريكي
لا تُدار السياسة الخارجية بالبيانات وحدها، ولا تُحسم المعارك الرمزية بالاحتجاجات العلنية فقط، بل كثيرًا ما تُكسب عبر الدبلوماسية الميدانية؛ أي تلك المعرفة المتراكمة التي يبنيها الدبلوماسي من خلال الاحتكاك المباشر بالدولة والمجتمع. من هذا المنطلق، تبرز أهمية الدور الذي يلعبه السفير الأمريكي لدى الأردن يايل ليمبرت في تفنيد، بل وإضعاف، الرواية التي يروّج لها السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال مايك هاكابي.
السفير الأمريكي في عمّان لم يعد ممثلًا بروتوكوليًا يكتفي بإدارة العلاقات من خلف المكاتب، بل أصبح دبلوماسيًا منخرطًا في المشهد الأردني؛ شارك في مناسبات وطنية واجتماعية، زار شخصيات سياسية وعشائرية وثقافية، واطّلع عن قرب على طبيعة الدولة الأردنية، وبنيتها الاجتماعية، وحساسياتها الوطنية ، هذه المعرفة ليست تفصيلًا شكليًا، بل رصيد سياسي قابل للتوظيف حين تشتد الاختبارات.
في المقابل، تنطلق تصريحات سفير واشنطن في تل أبيب من خطاب أيديولوجي اختزالي، يتعامل مع الشرق الأوسط كوحدة جغرافية قابلة لإعادة التشكيل، متجاهلًا خصوصيات الدول، وتاريخها، وتركيبتها، وحدود أمنها الوطني وتاريخها وحضاراتها ، هنا يظهر التناقض بوضوح: دبلوماسية ترى الدول من الداخل وتفهم توازناتها الدقيقة، مقابل خطاب ينظر من أعلى إلى خرائط ومجالات نفوذ.
هذا التناقض تحديدًا هو ما يمكن للأردن أن يوظّفه بذكاء. فالمعرفة التي يحملها السفير الأمريكي في عمّان تُسقط عمليًا أي ادعاء بإمكانية تجاوز الأردن أو القفز فوق دوره، أو التعامل معه كساحة هامشية في معادلات الإقليم. الأردن، كما يراه دبلوماسي واشنطن في الميدان، دولة مستقرة، ذات مؤسسات راسخة، وهوية وطنية واضحة، ومجتمع متماسك ، وتاريخ وحضارة ، لا فراغًا سياسيًا ولا جغرافيا قابلة للاختراق.
وعلى مستوى الضغط السياسي، يتيح هذا التواصل الوثيق تمرير رسائل دقيقة إلى واشنطن: مفادها أن أي خطاب توسعي أو استفزازي صادر من تل أبيب لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يمس استقرار حليفٍ استراتيجي للولايات المتحدة، ويقوّض أسس التوازن الإقليمي ، وبهذا، تتحول العلاقة الدبلوماسية من مجرد تواصل إلى أداة توازن وضبط.
الأردن هنا لا يواجه التصريحات بالانفعال، بل بإبراز التناقض داخل الخطاب الأمريكي نفسه؛ بين سفير يعرف الدولة شبرًا شبرًا، ويدرك حدود اللعب بالجغرافيا والهوية، وسفير آخر يتحدث بمنطق أيديولوجي يتجاهل الواقع ، هذا التناقض، حين يُنقل بهدوء إلى مراكز القرار في واشنطن، يتحول من اختلاف آراء إلى خلل في الرسالة السياسية يستوجب المعالجة.
الخلاصة أن معرفة السفير الأمريكي في عمّان بالأردن ليست تفصيلًا اجتماعيًا، بل ورقة قوة سياسية ، وإذا أُحسن استخدامها، ووظفت بشكل صحيح ، فإنها تفكك رواية الهيمنة، وتعيد ضبط الخطاب، وتُحاصر الكلمات قبل أن تنزلق من مستوى التصريحات إلى مستوى الوقائع.