شو رايكم نرجع لأيام "عد رجالك ورد الماء" ونكيّف؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
12-01-2026 10:50 AM
عد رجالك ورد الماء.. مثل وُلد في الصحراء.. في زمن كانت فيه المياه شحيحة.. والبقاء للأكثر قوة وعدداً.. مَن يملك الرجال الأشد كان يصل أولاً.. أو يسيطر.. أو يمنع غيره.. وكان ذلك مفهوماً في غياب الدولة والقانون.. حيث لا مرجعية سوى السيف والكثرة..
لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يُستدعى هذا المنطق إلى زمن الدولة.. زمن الدستور.. والأنظمة.. والمؤسسات.. حيث يفترض أن يُدار الخلاف بالقانون.. وأن يكون السؤال حقاً.. والمساءلة واجباً.. لا سبباً للفزعة.. ولا للتجييش..
ومع ذلك.. نرى المشهد يتكرر.. مواطن ينتقد مسؤولاً.. نائب يوجه سؤالاً لوزير.. شخص يُوقف بتهمة فساد.. أو إثارة نعرة.. أو تجاوز خط قانوني.. فتتحول القضية فوراً إلى دعوة للفزعة.. تجمعات.. بيانات.. ضغط.. وكأن الخطأ لا يُناقش.. بل يُحاصر بالكثرة.. وكأن الطرف الآخر يستشعر الخطر.. فيحرك الجموع..
الأخطر أن وسائل التواصل الاجتماعي.. وبعض المواقع.. أصبحت الوقود الأكبر لهذا التحشيد.. منشورات مشحونة.. هاشتاغات.. بث غضب لا يبحث عن حقيقة.. بل عن نصر.. فتتحول المنصات من فضاء رأي.. إلى ساحة عَد رجال رقمية.. يُقاس فيها الحق بعدد المشاركات والاعجابات.. لا بوزن الوقائع.. وصدقية الطرح..
وهكذا نعود إلى واقع المثل.. لكن بصيغة أخطر.. عد رجالك ورد الماء.. أي عد متابعيك.. وردّ القانون.. عطّل الإجراء.. واضغط حتى يتراجع القرار.. لا لأنك على حق.. بل لأنك أكثر ضجيجاً..
والأشد خطورة.. صمت بعض مَن يُحشد لهم.. أو زيادة تشددهم على ما هم عليه.. وكأن الفزعة دليل براءة.. مع أن مَن يثق بنفسه.. يطلب الاحتكام للقانون.. لا الالتفاف عليه.. ومَن يؤمن بموقفه.. لا يحتاج إلى كسر هيبة الدولة ليحتمي بها.. وخصوصاً إن كان من رجالات الدولة..
التساهل مع هذه الظاهرة ليس تسامحاً.. بل تفريط.. لأنه يفتح الباب لتحويل كل قضية.. إلى معركة كثرة.. وكل إجراء قانوني.. إلى اختبار شعبية.. وكل خطأ.. إلى مظلومية وبكائية مصطنعة..
وقوف أجهزة الدولة المختصة بحزم بوجه هذا السلوك ضرورة.. ليس حماية للدولة فقط.. بل حماية للمجتمع نفسه.. لأن العدالة التي تُقاس بالكثرة.. ستنهار عند أول خلاف أكبر.. وعند أول مورد ماء جديد..
العدول عن منطق عد رجالك ورد الماء ليس ضعفاً.. بل ضرورة.. لأنه الطريق الوحيد لترسيخ فكرة بسيطة.. أن الدولة لا تُدار بالحشود.. وأن الحق لا يحتاج فزعة.. وأن القانون إن سقط مرة.. لن يقوم بعدها بسهولة..