بين عقدة الشهادة وفرص المستقبل .. هل نجرؤ على التغيير؟
د. جهاد كمال فريج
12-01-2026 04:49 PM
في كل عام، نراقب بزهو مواكب الخريجين وهي تجوب شوارعنا، ونسمع زغاريد الفرح في بيوتنا، لكن خلف هذه الاحتفالات تكمن تساؤلات قلقة تغصُّ بها الصدور: إلى أين سيمضي هؤلاء؟ وهل ستفتح لهم سوق العمل أبوابها، أم أنهم سينضمون إلى قوافل المنتظرين على أرصفة "التخصصات الراكدة"؟
الحقيقة التي يجب أن نواجهها بجرأة هي أننا لسنوات طويلة وقعنا ضحية "فخ الوجاهة الاجتماعية". صرنا نُفضل أن نرى أبناءنا "مهندسين عاطلين" على أن يكونوا "فنيين ناجحين"، متناسين أن العالم من حولنا تغير، وأن "الشهادة المعلقة في برواز" لم تعد تضمن خبزاً ولا مستقبلاً إذا لم تكن مسلحة بمهارة حقيقية يطلبها السوق.
لكن، وبكل أمانة، هناك بصيص أمل بدأ يتشكل في الأفق الأردني. اليوم، نرى تحركاً حقيقياً تقوده وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي لكسر هذه القوالب الجامدة. ومن أكثر الخطوات شجاعة هو إدخال مسار ( BTECH ) العالمي في مدارسنا. هذا المسار ليس مجرد مادة دراسية جديدة، بل هو محاولة لترميم علاقة الطالب بالعمل اليدوي والتقني منذ الصغر، وتعليمه أن القيمة ليست في الحفظ والتلقين، بل في "ماذا تستطيع أن تصنع بيديك؟".
وإذا أردنا نموذجاً حياً للنجاح، فلا يمكننا أن نغفل تجربة جامعة الحسين التقنية. هذه الجامعة استطاعت في سنوات قليلة أن تُثبت أن المعادلة بسيطة إذا صدقت النوايا؛ تعليمٌ يراعي احتياجات المصنع والشركة، وتدريبٌ ينتهي بالتشغيل الفعلي. لقد كسرت هذه التجربة الحاجز النفسي لدى الشباب والأهالي، وأثبتت أن "التقني" اليوم هو الرقم الصعب في معادلة الاقتصاد، وهو الشخص الذي يتسابق عليه أصحاب العمل قبل أن ينهي دراسته حتى.
إن ردم الفجوة بين مقاعد الدراسة وسوق العمل لا يحتاج فقط إلى قرارات وزارية، بل يحتاج إلى "ثورة بيضاء" في عقولنا نحن كأهالي. علينا أن ندرك أن مصلحة أبنائنا تكمن في تخصصات المستقبل مثل الأمن السيبراني، والطاقة البديلة، والبرمجة، والمهن التقنية الحديثة، وليس في تكرار تخصصات استُهلكت حتى ضاقت بها السبل.ختاماً، نحن اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن نستمر في إنتاج شهادات للذكرى، أو نلحق بركب التعليم التقني الذي يمثل "طوق النجاة" الحقيقي. المستقبل لن يسأل خريجينا يوماً عن طول ألقابهم، بل سيسألهم عن حجم مهاراتهم. فهل نملك الجرأة لنغير البوصلة؟