facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كيف تعيد الصين تعريف الدكتوراة؟


د. رائد عودة
23-02-2026 12:40 PM

بعد سنوات من المعاناة مع "مصانع الأوراق البحثية"، والدراسات المكتوبة بأقلام مستأجرة، وسحب الأبحاث بأعداد قياسية، قررت الصين إعادة تعريف ما تعنيه الدكتوراة أصلاً.

كان من بين أوائل الخريجين تشنغ خهوي، الذي دافع عن أطروحته ضمن مسار دكتوراه هندسية يجيز تقديم مخرجات تطبيقية بدل الرسالة التقليدية المكتوبة، واختار أن يُحضر إلى لجنة المناقشة كتلًا فولاذية مُعزَّزة قابلة للتركيب، تُستخدم اليوم في جسر مُعلَّق فوق نهر اليانغتسي: أطروحته كانت الجسر نفسه. فبموجب قانون جديد، يمكن للجامعات الصينية أن تمنح درجة الدكتوراه في الهندسة استنادًا إلى نماذج أولية، أو أنظمة صناعية، أو منشآت واسعة النطاق بدلًا من الرسالة الأكاديمية المعتادة.

لم يظهر هذا الإصلاح من فراغ. لسنوات طويلة، كان الأكاديميون في الصين مدفوعين بـ "الكم". فعدد الأوراق البحثية هو ما يحدد الترقيات، والتمويل، وحتى المكافآت النقدية. وبالفعل، تفوقت الصين على الولايات المتحدة في حجم الإنتاج البحثي. وعلى مستوى الأرقام، بدا المشهد وكأنه تفوق علمي واسع للصين.
لكن تحت السطح، نشأ نظام مختلف، إذ قامت "مصانع الأوراق البحثية" ببيع مقالات مكتوبة بأقلام خفية وبيانات ملفّقة. وفي عام 2023 وحده، سُحب أكثر من عشرة آلاف بحث أكاديمي على مستوى العالم، وكان للصين جزء ملحوظ منها. أزالت الحكومة الحوافز النقدية وفرضت عقوبات، غير أن بنية التقييم نفسها لم تتغير، فما زال عدد الاستشهادات يتقدم على أثر الحلول الفعلية.

وتمثل "الدكتوراه التطبيقية" إعادة ضبط لحوافز البحث العلمي. فهي تستهدف "عنق الزجاجة" الاستراتيجي في قطاعات أشباه الموصلات، والإلكترونيات، وغيرها من المجالات الحيوية، حيث تكون المشكلة أحيانًا في التصنيع والاعتمادية وسلاسل الإمداد أكثر من كونها نقصًا في الأوراق البحثية المنشورة. ويشرف على طلاب "الدكتوراه التطبيقية" مرشد أكاديمي إلى جانب مرشد من الصناعة. وتشارك في هذا المسار أكثر من 60 جامعة و100 مؤسسة صناعية، حيث سجلت جامعة "تسينغ هوا" وحدها أكثر من 100 براءة اختراع لطلاب مشاركين في هذا البرنامج.

ويعكس هذا التحول انتقالًا من التركيز على إنتاج الأوراق إلى التركيز على حل مشكلات الصناعة. وما يجعل هذا التحول عميق الأثر ليس تغيير الصيغة فحسب، بل ما باتت تعنيه درجة الدكتوراه. فتقليديًا، مثّلت الدكتوراه إتقان النظرية والقدرة على توسيع آفاق المعرفة، وكانت تدل على عمق فكري ومساهمة علمية في مجال معيّن. أما النموذج التطبيقي فيشير إلى شيء مختلف تماماً: القدرة على البناء، والتنفيذ، وجعل التكنولوجيا تعمل تحت قيود الواقع. وهذا التمايز حيوي في عالم تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية حول العتاد وسلاسل الإمداد والسيطرة على التقنيات الحرجة.

وهذا النقاش ليس نظريًا في الاقتصادات الناشئة. في الأردن وعبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تسعى الجامعات إلى تحسين تصنيفاتها ومؤشرات النشر، بينما تكافح الصناعة في كثير من الأحيان للعثور على خريجين قادرين على حل تحديات تطبيقية. وما ينقص غالبًا ليس خطاب الابتكار، بل آليات تقييم ومسارات دراسات عليا تُكافئ الحلول القابلة للتطبيق، وتُدخل الصناعة شريكًا في الإشراف والتقييم لا مجرد "جهة توظيف".

غير أن أي إعادة تعريف للدكتوراه تطرح أسئلة حول حدود البحث الحر، ومعايير التقييم، والعلاقة مع الصناعة. ما إذا كانت هذه الأسئلة ستُدار بصرامة أو تتحول إلى مفاضلات سياسية، سيحدد نجاح التجربة أو تعثرها.

إن إصلاحات الصين تفرض سؤالاً يمتد إلى ما هو أبعد من حدودها: ما الذي تحاول جامعاتنا تحسينه وتطويره بالضبط؟ فكل نظام بحثي يصبح، في نهاية المطاف، انعكاسًا لما يقيسه. وقد قررت الصين أن تقيس الأثر القابل للتحقق، لا قيمة الأوراق البحثية في حد ذاتها.

السؤال لنا: هل نعرف بعد ماذا نريد أن نقيس؟

*د. رائد عوده/ مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية، المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا.
قائم بأعمال رئيس المركز الوطني للابداع
r.awdeh@hcst.gov.jo





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :