يقال إن عمل الخير من أجمل الأعمال الإنسانية، وإن التبرع لعمل خيري اومساعدة الناس من أرقى صور العطاء. لكن ماذا لو وضعك هذا العمل في موقفٍ حرج، بين رغبتك الصادقة في التبرع وحدود قدرتك المادية؟
عمل الخير شعور طيب ونبيل، لكنه قد يتحوّل أحيانًا إلى اختبار علني أمام لجنة متحمّسة وجيران لا يعرفون المزاح في الأرقام. تنوي أن تتبرع بما تستطيع، فتجد نفسك في ما يشبه مزادًا ترتفع فيه الأرقام كما ترتفع المعنويات، ثم يتجه الضوء إليك. تصفّق للآخرين بحرارة، حتى يأتي دورك، فتبتسم ابتسامة من يحسب رصيده بسرعة قياسية. وفي لحظة حماس، قد تعلن رقمًا أكبر مما خططت له، مدفوعًا بروح الجماعة ونشوة الثناء والإشادة .
لكن بعد انفضاض المجلس، يبقى السؤال الهادئ الثقيل: من أين سأدفع؟
قبل نحو عشرين عامًا، اتصل بي أحد الجيران ليخبرني بأن اسمي أُدرج ضمن قائمة لجنة لبناء مسجد في الحي. رحّبت بالفكرة من القلب، وكنت مستعدًا للمساهمة. في أول اجتماع للجنة، أُبلغنا بأننا سنجمع التبرعات بعد صلاة كل يوم جمعة من مساجد المدينة وسيكون معنا كتاب رسمي ودفتر وصولات من وزارة الاوقاف..
وفي يوم الاجتماع الاول للجنة تحوّل الاجتماع إلى ساحة تنافس معلن: هذا يتبرع بمواد البناء، وذاك يتكفّل بالإسمنت والحديد، وآخر يعلن تبرعه بمبلغ مالي كبير. ومع تصاعد الأرقام، وجدت نفسي في موقف صعب؛ ورغبة صادقة في المشاركة، وضائقة مالية لا تسمح بالمغامرة، خاصة أنني كنت خارج من ضروف مالية صعبة من تكاليف بناء منزلي.
غير أن الحماس غلب الحسابات، فقلت:بصوت عالي “أنا أتبرع بألف دينار لمواد الكهرباء للمسجد”، وسُجّل اسمي في القائمة.
في تلك الليلة، لم يفارقني القلق. كيف سأفي بالتزامي؟ وبعد تفكير طويل، لجأت إلى صديق يملك محل أدوات كهربائية، وشرحت له القصة. فاجأني بكرمه، ووافق على تزويدي بالمواد اللازمة بأقساط ميسّرة، وتمكنت من الوفاء بوعدي.
وبتكاتف الجميع، شُيّد المسجد. رحم الله من غابوا عنا، وبارك في الأحياء وأطال في أعمارهم.
هذه التجربة تعلّمنا أن العطاء لا يُقاس بحجم الرقم المعلن، بل بصدق النية وحسن التدبير. فالخير ليس استعراضًا، ولا سباقًا في الأسماء، بل مسؤولية تُؤدّى في حدود الاستطاعة.
قد نجد أنفسنا أحيانًا ننجرف مع الحماس فنعد بأكثر مما نملك، لكن تبقى النية الطيبة هي الأساس، ويبقى الأجمل أن يظل العطاء متوازنًا، نابعًا من القلب، ومحمولًا على قدر القدرة.