facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إربد… حاضنة الهوية وذاكرة المكان


د. سناء العبابنة
13-01-2026 05:32 PM

ليست إربد مدينةً عابرة في جغرافيا الشمال الأردني، بل نصٌّ مفتوح كُتب بالحجر والبشر، وتُلي عبر القرون بصوت الحضارة. هنا، حيث تتعانق السهول مع الحكايات، وتنهض الذاكرة من بين الأزقة والأسواق، تقف إربد حاضنةً للهوية، وحارسةً لمعنى الانتماء.

منذ أن كانت «أرابيلا» حاضرةً على خارطة التاريخ، كما يشهد تل إربد القابع في قلب المدينة، حملت إربد في ملامحها بصمات حضاراتٍ متعاقبة؛ كنعانية ورومانية وإسلامية، جعلت منها مدينة ذات عمق حضاري لا يمكن تجاوزه. ولم تكن أم قيس (جدارا) القريبة عنها سوى امتدادٍ فكري وثقافي يؤكد أن هذه الأرض كانت موطناً للفلسفة والعلم قبل أن تكون موطناً للعمران.

لم تكن إربد يوماً مجرد مساحة سكنية، بل كانت دائماً فضاءً للفكر ومنبراً للكلمة. فمن هذه المدينة خرج مصطفى وهبي التل (عرار)، الذي جسّد في شعره روح المكان والإنسان، وجعل من الشمال الأردني قصيدةً نابضة بالتمرّد الواعي والصدق الإنساني. ومنها أيضاً انطلق كتّاب وشعراء ومفكرون أسهموا في تشكيل الوعي الوطني، حتى غدت إربد مدينةً تُعرَف بثقافتها كما تُعرَف بأرضها.

وتُوّج هذا الدور الثقافي حين اختيرت إربد «العاصمة العربية للثقافة لعام 2022»، في اعترافٍ عربيّ رسمي بدورها الحضاري والفكري، وبكونها مدينةً للكتاب والمسرح والفن، وفضاءً حيّاً للكلمة والحوار. لم يكن هذا اللقب حدثاً احتفالياً عابراً، بل تتويجاً لمسار طويل من الفعل الثقافي المتجذّر في وجدان المدينة وأهلها.

وعلى الصعيد التعليمي، شكّلت جامعة اليرموك علامة فارقة في تاريخ إربد، إذ لم تكن جامعةً للتعليم فقط، بل منبراً وطنياً للحوار والفكر، خرّجت أجيالاً من المعلمين والإعلاميين والمثقفين الذين حملوا هوية المكان إلى مختلف الميادين. كما جاءت جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية لتؤكد قدرة إربد على الجمع بين أصالة الهوية وحداثة العلم، وبين الجذور العميقة والطموح المعرفي.

وفي شوارع المدينة القديمة، وخصوصاً في سوق الخضار القديم وسوق الصاغة، تتجلّى الهوية اليومية لإربد. هناك تُسمَع اللهجة الحورانية صافيةً بلا تكلّف، وتُمارَس القيم الاجتماعية كما وُرثت: القرب، والتكافل، والبساطة، وصدق العلاقة بين الناس. فالهويّة في إربد لا تُختزل في الشعارات، بل تُعاش في التفاصيل الصغيرة.

أما محيطها الزراعي، فإن سهول حوران الممتدة حول المدينة تقدّم شاهداً حيّاً على علاقة الإنسان بالأرض. القمح والزيتون والتين ليست محاصيل فحسب، بل رموز للثبات والصبر، ومواسم الحصاد كانت ولا تزال مناسباتٍ اجتماعية تختلط فيها الأغنية الشعبية بالعمل، ويُعاد فيها إنتاج معنى الانتماء جيلاً بعد جيل.

اجتماعياً، حافظت إربد على عاداتها الحورانية الأصيلة؛ في الجاهات، والأعراس، والدبكات، والأهازيج الشعبية، حيث تتجلّى روح الجماعة ويتجذّر النسيج الاجتماعي، رغم التحوّلات المتسارعة التي فرضها العصر الحديث.

إربد اليوم، وهي تمضي بثبات نحو المستقبل، لا تفعل ذلك منقطعةً عن ماضيها، بل مستندةً إليه. فهي تدرك أن الهوية ليست عبئاً، بل قوة، وأن المدن التي تنسى جذورها تفقد اتجاهها. لذلك، تظل إربد حاضنةً للهوية، لا بوصفها ذاكرةً محفوظة في الكتب، بل كهوية حيّة تتجدّد بأهلها وتكبر بأحلامهم.

إنها إربد التي إذا ذُكرت، ذُكر معها الشمال، وإذا كُتب عنها، كُتب عن وطنٍ مصغّر، يجمع التاريخ والثقافة والعلم والأرض في قلبٍ واحد، ويجيد أن يكون أصيلاً وحديثاً في آنٍ معاً.

مدينة لا تُختصر في مقال، لكنها تظل دائماً… إربد، حاضنة الهوية وذاكرة المكان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :